الهوية الفرعونية: استراتيجية القاهرة الثقافية في بناء الصورة المصرية
تخطت فكرة الفرعونية كونها مجرد هوية أو تراثًا تاريخيًا ممتدًا في كل أرجاء مصر، لتصبح أداة سياسية ناعمة تتجاوز حدود الثقافة والسياحة، فتكون جزءًا من استراتيجية الدولة في إدارة صورتها ونفوذها الإقليمي والدولي، وتجلى ذلك في موكب المومياوات الملكية عام 2021، الذي جذب أنظار العالم، حتى افتتاح المتحف المصري الكبير، وصولًا إلى توظيف الرمزية الفرعونية في الخطاب الرسمي والإعلامي؛ بما يُظهر ملامح مشروع ثقافي سياسي متكامل يعيد تقديم مصر كقوة حضارية مستقرة وسط منطقة تموج بالاضطراب.

منحت الجذور الفرعونية المصرية مرجعية ما فوق دينية للدولة؛ بما يجعل توظيفها عنصر توحيد داخلي، ووسيلة لإبراز خصوصية مصر واستقلالها عن موجات الإسلام السياسي أو القومية العربية الضيقة أمرًا منطقيًا، وبذلك تحولت الفرعونية إلى لغة سياسية جديدة أعادت رسم المجال الرمزي للدولة المصرية في الداخل والخارج معًا.
وتسعى القاهرة لإبراز عظمة الهوية المصرية وتأكيد مكانتها كعاصمة للحضارة الإنسانية؛ فبينما أظهر موكب المومياوات رهبة التاريخ الملكي، يأتي افتتاح المتحف المصري الكبير ليؤكد استمرارية الحضارة وتطورها في الحاضر والمستقبل.
سياسة ما قبل الافتتاح
كان لإقامة المعارض الأثرية في الخارج لعرض قطع منتقاة من المتحف دور فعال في نشر الثقافة المصرية والتعريف بالحضارة الفرعونية العريقة على نطاق واسع، ومثلت هذه المعارض خطوة إيجابية ومهمة عززت مكانة مصر الثقافية في العالم، وأسهمت في جذب العملة الصعبة وتنشيط حركة السياحة الوافدة إليها.

مثلت تلك المعارض نافذة حضارية مفتوحة أمام الجمهور الأوروبي للتعرف على تاريخ مصر وإبداع المصريين القدماء، وتروّج لافتتاح المتحف المصري الكبير عن طريق ردود الأفعال الإيجابية تجاه المعروضات المصرية ورغبة الأجانب في رؤية المزيد من الآثار من خلال قدومهم إلى مصر.
أدت السياسة المصرية في تقديم الرموز الفرعونية إلى زيادة الإقبال على زيارة المتحف القومي للحضارة المصرية، بالإضافة إلى المتاحف والمناطق الأثرية الأخرى، فضلًا عن تحسين الصورة الذهنية للمقصد السياحي المصري، وإظهار قدرة مصر على تنظيم فعاليات عالمية بكفاءة عالية واحترافية، مما يعكس صورة إيجابية عن الأمن والاستقرار والتطور في البلاد.
إعادة التوازن في الهوية الإقليمية
ساهم صعود الفرعونية السياسية في إعادة تعريف الهوية الوطنية بعيدًا عن حالة الاستقطاب الأيديولوجي من قبل جماعات الإسلام السياسي التي تولت الحكم بعد ثورة 25 يناير عام 2011 في أكثر من دولة، إذ تبنت القاهرة استراتيجية الفرعونية الناعمة عقب ثورة 30 يونيو والإطاحة بحكم جماعة الإخوان، في محاولة للموازنة بين الانتماء العربي والإفريقي والمتوسطي.
عربيًا، قدمت مصر نفسها كدولة عريقة لا تُختزل في الصراعات المذهبية أو الفكرية، وكذلك على المستوى الإفريقي تستدعي التاريخ النيلي المشترك والجذور الحضارية القديمة لمد جسور هوية جديدة، تساهم في وحدة الصف وتقوية العلاقات بين الدول العربية والإفريقية على حد سواء.

وعلى الصعيد الأوروبي، تمثل صورة مصر الفرعونية العمق الحضاري للإنسانية، من خلال المعارض المصرية بالخارج، أو آلاف الآثار الفرعونية المعروضة في أشهر متاحف أوروبا؛ ما يجعلها طرفًا مقبولًا في الحوار بين الشرق والغرب دون انحياز.
هكذا، خلقت الفرعونية دبلوماسية توازنية لمصر ومركزيتها الإقليمية عبر خطاب ثقافي خالٍ من التوترات السياسية المباشرة، وسط عالم مضطرب وحروب لا تنتهي على الحدود والثقافة والتاريخ، دومًا تُبرز مصر الرموز الفرعونية كأداة لإعادة بناء الثقة الدولية، ورسالة استقرار وعراقة تُقدَّم للعالم في مواجهة الفوضى الإقليمية.
القوة الناعمة في ثوب حضاري
في ظل تراجع الحروب الصلبة لصالح المنافسة على الصورة والتأثير، تعيد مصر استخدام تاريخها كسلاح دبلوماسي ناعم، إذ أصبحت المناطق الأثرية وجهة مفضلة لاستضافة الحفلات العالمية، بفضل قدرة المصريين على تنظيم الفعاليات الكبرى مثل موكب المومياوات وافتتاح طريق الكباش بكفاءة عالية جذبت أنظار العالم.

وتركز الدولة حاليًا على السياحة السينمائية كأداة للترويج للبلاد على المستوى العالمي، من خلال تسهيل إجراءات تصوير الأفلام العالمية في المواقع السياحية، وإقامة الحفلات العالمية في الأهرامات، إلى جانب إنتاج برامج وثائقية تسلط الضوء على الحضارة الفرعونية.
وداخليًا، تُستخدم الرموز الفرعونية كأداة لإنتاج شرعية رمزية جديدة للدولة الحديثة، فاستدعاء ماضي الملوك والفراعنة العظام يرسخ في الوعي الجمعي فكرة استمرارية الدولة المصرية عبر العصور، وأنها كيان يتجاوز الأفراد والأنظمة.
بهذا الشكل، تُستثمر الفرعونية سياسيًا في تعزيز ثقة المواطن في فكرة الدولة ذات الامتداد الحضاري، لا في الحاضر العابر فقط، وتشعره بالانتماء والفخر ببلاده وتاريخه؛ بدلًا من أن يصبح فريسة لجماعات متطرفة.
دعاء إمام*
باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية



