دبلوماسية حضارية في القاهرة: كيف يحوّل المتحف الكبير التراث إلى نفوذ دولي؟
تتجه أنظار العالم إلى افتتاح المتحف المصري الكبير، والذي يكشف للعالم إحدى أقدم الحضارات الإنسانية، لتخاطب مصر العالم بـ"لغة الحضارة" العابرة للحدود والتي تتجاوز كل لغات العالم، لتقدم نفسها باعتبارها دولة ليست طارئة على المجتمع الدولي، ولكن بوصفها دولة راسخة وركيزة أساسية في استقرار النظام الإقليمي والدولي.
وتأتي هذه اللحظة، بعد تحركات رسمية ودبلوماسية مكثفة للترويج لهذا الحدث، حيث وجهت وزارة الخارجية المصرية بعثاتها في الخارج للحشد الدولي لحضور الافتتاح، في خطوة تعكس اتجاه مصر لتوظيف تراثها كقوة ناعمة وإعادة الزخم إلى الحضارة المصرية على المستويين الإقليمي والدولي، ما يعيد إلى القاهرة رمزيتها الحضارية والتاريخية.

لغة حضارية ودبلوماسية ثقافية
لا يمثل افتتاح المتحف المصري الكبير حدثًا عابرًا، ولكنه يأتي في إطار توظيف الحضارة المصرية كقوة ناعمة ومنصة دبلوماسية، وهو ما دفع المؤسسات المصرية إلى تكثيف جهودها للتعامل مع الحدث بما يستحقه، حيث سبق الافتتاح جهود متواصلة لوزارة الخارجية شهدت اجتماع الدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية والهجرة وشئون المصريين بالخارج مع كبار المسؤولين وأعضاء فريق العمل بالوزارة المسؤول عن هذا الحدث.
هذه الترتيبات جاءت باعتبار أن المشروع يمثل أحد أهم المشروعات الحضارية في مصر والعالم، وفق بيان لوزارة الخارجية الذي كشف عن التنسيق المستمر بين وزارة الخارجية والهيئات الوطنية ذات الصلة، والتأكيد على ضرورة تنظيم الحدث بما يعكس تاريخ مصر الغني وحضارتها العريقة، وأهمية المتحف عالميًا كمنارة للتراث الإنساني وشاهد على دور مصر الرائد في الحفاظ على الحضارة والتاريخ، ودوره في إبراز مكانة مصر على الساحة الدولية.
وتساهم التغطيات الدولية لافتتاح المتحف المصري الكبير في ترسيخ صورة الحضارة المصرية باعتبارها أحد أضخم الحضارات وأقدمها وأهمها على الإطلاق، حيث ركزت التغطيات على توصيف المتحف باعتباره "أكبر متحف مخصص لحضارة واحدة في العالم"، ما يعزز صورة مصر الحضارية وامتلاكها رصيدًا حضاريًا لا يوجد مثيل له في العالم، وهو ما يعكس مكانة مصر الثقافية والمعرفية وجذورها الراسخة.

ويأتي تعزيز مصر لدورها الثقافي والحضاري في إطار ما يمكن تسميته بـ"الدبلوماسية الثقافية" التي تعتمد على التفاهم المتبادل من خلال تبادل الأفكار والفن واللغة وغيرها من الجوانب الثقافية، حيث يمكن توظيفها لتعزيز المصالح الوطنية، إضافة إلى إرساء التعاون والشراكة مع الأطراف الدولية الأخرى في ظل قدرتها على تعزيز عملية الاتصال وفهم ثقافة وقيم الشعوب المختلفة وتعزيز الحوار وفتح مسارات دبلوماسية وسياسية، ماي شير إلى أن الحدث له العديد من الجوانب التي تسعى مصر إلى استثمارها.
ومن هذه الجوانب أيضًا تعزيز التعاون الدولي في مجال تبادل الخبرات، ودمج النماذج الثقافية والإبداعية وتوظيفها في مجالات تنموية، حيث تجمع المتاحف الخبرات العالمية المشتركة لتعزيز التفاهم المتبادل بين الثقافات وتعزيز الحوار بين الحضارات، وهو ما تحرص عليه المنظمات التراثية والثقافية حول العالم، وإن كان ذلك يتم عبر الجهات الرسمية والحكومية على المستوى المحلي أو الدولي، فإنه يتم أيضًا بين جهات غير رسمية تشمل الفنانين والكتاب والصحفيين لتعزيز التبادل الثقافي وبناء القيم المشتركة.

ومن خلال التجارب الدولية، فقد اتجهت العديد من الدول إلى رسم خرائط للعلاقات الثقافية وتدشين شبكات من المؤسسات لتعزيز ثقافتها ولغتها في المحيط الإقليمي الدولي، وقد لعب التبادل الثقافي والحضاري دورا في مجال العلاقات الدولية، حيث ركّزت العديد من الدول في سياستها الخارجية على الثقافة، كما اعتمدت العديد من التجارب الدولية في ترسيخ نفوذها ومشروعها السياسي على إظهار ثرائها المعرفي والحضاري، وذلك إدراكا للدور الذي تلعبه القوى الناعمة في السياسة الخارجية.
استراتيجية وطنية للنفوذ الثقافي
وفق دراسات متخصصة في السياسات الثقافية المصرية، فإن الحضارة المصرية لم تعد مجرد موروث تاريخي يتم عرضه داخل أروقة المتاحف، لكنه تجاوز ذلك ليصبح وسيلة فعالة في بناء الحضور الدولي وذلك عبر تصدير الحضارة باعتبارها لغة دبلوماسية تستخدمها الدولة لتعزيز مكانتها في النظام العالمي، واصبحت ركيزة من ركائز الاستراتيجية الوطنية للنفوذ الثقافي والدبلوماسية الحضارية، حيث تستثمر مصر إرثها العميق بوصفه وسيلة للتأثير عبر القوة الناعمة، وليس مجرد مجال للحفاظ على الآثار.

كما أن دور المتاحف في مصر لم يعد قائمًا على عرض القطع الأثرية فحسب، وإنما أصبح مرتبطًا بوظائف وطنية أهم، هذه الوظائف تتمثل في تشجيع الحوار الثقافي العالمي، وترويج ودعم صورة الدولة الحديثة، وتعزيز حضور مصر كفاعل ثقافي مؤثر في الساحة الدولية، وذلك في الوقت الذي يلعب فيه الإرث الحضاري دورًا باعتباره منصة حضارية للتواصل مع الشعوب والثقافات، وأداة لإنتاج سردية مصرية حديثة تقوم على الجمع بين الأصالة التاريخية والقدرة على الانخراط في مسارات الحداثة العالمية.
وتشير دراسة بعنوان "استراتيجية وطنية للمتاحف المصرية ودورها في دعم الدولة في المجال الدولي" إلى أن المؤسسات الثقافية تُستخدم اليوم ضمن سياسة الدولة كجزء من أدواتها الدبلوماسية، بحيث يعمل المتاحف كـ"جسر حضاري" يعكس قدرة مصر على صياغة خطاب عالمي يستند إلى تراثها الفريد، وفي الوقت نفسه يقدم رؤية حضارية تشاركية تُرسّخ مصر باعتبارها مركزًا لإنتاج المعنى الثقافي والحضاري، وليس موقعًا أثريًا فقط، وهو ما يتقاطع مع توجه أوسع يربط بين الثقافة والأمن القومي، وتوظيف التاريخ لدعم الحضور السياسي والاقتصادي للدولة.

وتأسيسًا على ذلك، فإن مصر تقدم من خلال متاحفها الكبرى خطابًا دوليًا، وتعتمد فيه على ثلاثة ركائز رئيسة تتمثل في أن مصر قادرة حماية إرثها وإعادة تصديره في إطار يتماشى مع الأنماط الدولية الحديثة، كما أن حضارتها ملك للإنسانية وبمثابة جسر ثقافي مع جميع الشعوب، فضلًا عن أنها باعتبارها دولة راسخة فإنها قادرة على الإسهام في صياغة إعادة صياغة المشهد الثقافي العالمي.
إجمالًا، فإن افتتاح المتحف المصري الكبير بمثابة خطوة مصرية من ضمن أهدافها توظيف التراث كلغة للحوار الإنساني والثقافي وأداة فاعلة في مجال العلاقات الدولية وإعادة صياغتها على أساس ثقل الدولة التي تملك إرثًا حضاريًا ضخمًا وفريدًا يؤهلها لتكون مرجعية معرفية وثقافية وحضارية، ما يعزز دورها وحضورها في النظامين الإقليمي والدولي.



