من الأحفاد إلى الأجداد.. مصر تهدي العالم الحضارة والتاريخ
على بعد خطوات من هضبة الجيزة، حيث تقف الأهرامات حراسا على أسرار الزمان، ينهض المتحف المصري الكبير كأعظم مشروع ثقافي في القرن الحادي والعشرين، ونافذة مصر الجديدة على ماضيها المجيد، وجسرا يصل بين حضارة أبهرت العالم وبين مستقبل يسعى إلى صياغة علاقة أكثر وعيًا بالتراث الإنساني.
فكرة إنشاء المتحف
انبثقت فكرة إنشاء المتحف في عام 1998 حين أطلقت الدولة المصرية مسابقة عالمية لتصميم صرحا يليق بمكانة مصر التاريخية، ففاز التصميم المعماري المتميز الذي يمزج بين روح الحضارة القديمة وحداثة البناء المعاصر، حيث يطل واجهته الضخمة على الأهرامات مباشرة في مشهد بصري مهيب يوحي بأن الماضي يمدّ يده للحاضر، ومع وضع حجر الأساس عام 2002، بدأت رحلة طويلة من العمل الدؤوب لتشييد متحفٍ لا يكون مجرد مكان لعرض الآثار، بل منظومة حضارية متكاملة تعيد قراءة التاريخ بروح علمية وثقافية جديدة.
مساحة المتحف
يمتد المتحف على مساحة تبلغ نحو500 ألف متر مربع ويضم 12 صالة عرض تغطي فترات تاريخية مختلفة، ليكون أكبر متحف أثري في العالم مخصص لحضارة واحدة، تجمع قاعاته بين أكثر من مئة ألف قطعة أثرية تجسد مسيرة المصري عبر أكثر من 7 آلاف عام.
أهداف المشروع تتجسد في 3 محاور رئيسية
- حفظ التراث المصري عبر مركز عالمي للترميم يعد الأكبر من نوعه في الشرق الأوسط، مجهزًا بأحدث التقنيات لحماية الكنوز الأثرية من عوامل الزمن.
- دعم السياحة الثقافية بوصف المتحف مقصدًا رئيسيًا يجذب ملايين الزوار سنويًا، ويسهم في تعزيز الصورة الذهنية لمصر كوجهة للحضارة والمعرفة.
- تطوير العرض المتحفي، حيث يعتمد المتحف على تقنيات عرض تفاعلية حديثة تجعل الزائر يعيش التجربة المصرية القديمة بحواسه كافة، من خلال الإضاءة الذكية والعروض الرقمية والمجسمات ثلاثية الأبعاد.
محتويات مبنى المتحف
ويعتبر المتحف المصري الكبير ليس مجرد مشروع إنشائي ضخم، بل هو بيان حضاري يؤكد أن مصر، التي علمت العالم أول أبجدية للجمال، لا تزال قادرة على أن تروي قصتها من جديد بلسان الحاضر، وبعيونٍ تتطلع إلى المستقبل.
ويضم المتحف قاعات عرض ضخمة، وساحات مفتوحة، ومركزًا للتوثيق والترميم، إضافة إلى مناطق تعليمية وثقافية، وسينما ومطاعم ومكتبة متخصصة في علوم المصريات، بهذا التصميم الفريد، لا يكتفي المتحف بأن يكون مستودعا للآثار، بل يصبح مركزا للحضارة، يُعيد وصل الماضي بالمستقبل، ويجعل من زيارة المكان رحلة إلى قلب الإنسان الأول الذي علم العالم معنى الخلود.
أبرز المقتنيات المعروضة
يحتوي المتحف المصري الكبير على مجموعة هائلة من القطع الأثرية التي تعكس تاريخ مصر القديم عبر آلاف السنين، حيث يضم أكثر من 57 ألف قطعة أثرية متنوعة، ويعتبر المتحف نقطة التقاء بين الماضي والحاضر، إذ يقدم التاريخ المصري بطريقة معاصرة وجذابة للزوار من جميع أنحاء العالم.
تمثال رمسيس الثاني
يعد تمثال رمسيس الثاني واحدا من أبرز معالم البهو العظيم في المتحف، حيث يبلغ ارتفاعه 11 مترا ويزن حوالي 80 طنا، يتميز التمثال بضخامته وروعة تفاصيله، ويستقبل الزوار مباشرة عند دخولهم المتحف، ليشكل علامة بارزة في البهو العظيم ويجسد عظمة الملك رمسيس الثاني كما عاش في التاريخ.
مقتنيات الملك توت عنخ آمون
تشمل مقتنيات الملك الذهبي جميع الكنوز التي عثر عليها في مقبرته، بما في ذلك الأقنعة الذهبية، وصناديقه، وعرباته الحربية، وتوابيته، بالإضافة إلى تماثيل الأوشبتي، وتعد هذه هي المرة الأولى التي تعرض فيها كل هذه القطع معا في مكان واحد، مستخدمة تقنيات عرض حديثة تعكس الفخامة والجمال الفني لتلك الحقبة، وتوجد هذه المقتنيات في قاعة مخصصة للملك توت عنخ آمون، والتي تعد من أبرز مناطق المتحف.
مركب الشمس "مركب خوفو"
يعرض في المتحف مركب خشبي يعود تاريخه إلى نحو 4600 عام، ويعتبر من أفضل المراكب القديمة المحفوظة عالميًا، ويعكس المركب تاريخ مصر القديمة وتقنيات بناء السفن في تلك الفترة، ويتيح للزوار فرصة مشاهدة المركب عن قرب والدخول إلى بعض أجزائه، مما يجعله تجربة تعليمية وسياحية فريدة.
تماثيل الأوشبتي الملكية
تمثل هذه التماثيل الصغيرة جزءًا مهمًا من الطقوس الجنائزية في مصر القديمة، حيث كانت توضع في مقابر الملوك لتنوب عنهم في أداء المهام في العالم الآخر، ومن أبرز هذه التماثيل تلك التي تحمل وجه الملك توت عنخ آمون، والتي تم نقلها من المتحف المصري بالتحرير إلى المتحف الكبير، لتكون جزءا من العرض المتكامل للملك الشاب وكنوزه.
تحالف الحضارة يرسمون ملامح المتحف المصري الكبير
يشكل المتحف المصري الكبير نموذجًا فريدا لتكامل الجهود بين الدولة المصرية ومؤسسات دولية مرموقة في سبيل إنشاء أكبر متحف للحضارة المصرية على وجه الأرض، حيث تتولى وزارة السياحة والآثار الإشراف الكامل على المشروع بوصفه أحد أهم مشروعاتها القومية، بينما شاركت إلى جانبها مؤسسات وهيئات دولية متعددة من اليابان وأوروبا والأمم المتحدة، لتجسيد رؤية تتجاوز فكرة العرض الأثري إلى بناء صرح ثقافي عالمي يليق بمكانة مصر التاريخية.
تحالف دولي
منذ طرح فكرة المتحف أواخر التسعينيات، أدركت الدولة المصرية أن المشروع يتطلب تحالفًا دوليًّا يجمع الخبرة التقنية والتمويل والدعم الفني، فكان التعاون مع الوكالة اليابانية للتعاون الدولي (JICA) التي قدّمت قروضًا ميسّرة وتمويلًا تجاوز المليار دولار، إضافة إلى الإشراف على جوانب تدريب الكوادر المصرية في مجالات الترميم وإدارة المتاحف. كما ساهمت اليونسكو بخبرائها في وضع الأسس العلمية لطرق حفظ ونقل القطع الأثرية، وضمان مطابقتها لأعلى المعايير العالمية.
ويمثل هذا التعاون بين وزارة السياحة والآثار وشركائها الدوليين نموذجا للديبلوماسية الثقافية الحديثة، التي تضع التراث الإنساني في قلب التنمية المستدامة.
التحديات التي واجهت المتحف
تعتبر جميع القطع الأثرية التي ذهبت المتحف المصري الكبير خضعت لمراحل دقيقة من الترميم، في مركز داخل المتحف، تم إجراء فحوصات لكل القطع لتحديد نقاط الضعف ومعالجة المشاكل وأن كل قطعة تم التعامل معها بشكل منفرد، وبدأنا ندرس كل حالة على حدة ونحدد الطريقة الأنسب للتعامل معها، كان من أصعب التحديات التي واجهت عملية النقل هو الملك رمسيس الثاني من مكانه، وهي من أصعب العمليات الأثرية في تاريخ مصر الحديث.
حجم التعاون الدولي
ومن التحديات التي واجهت المشروع حجم التعاون، حيث جاء التمويل في صورة قرض من اليابان، وهو ما يعكس حجم التعاون الدولي والإيمان العالمي بفكرة و قيمة المشروع وأهميته الحضارية الثقافية.
التنمية والبنية التحتية
وتلك الظروف الاقتصادية كانت تحديا ضخما، خاصة مع التزامات الدولة في مشروعات التنمية والبنية التحتية.
الحرب الروسية الأوكرانية
أثرت الظروف الإقليمية المعقدة على المتحف وإنشاءه، منها تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت على الاقتصاد العالمي الدولي والأمداد بين الدول.
اختيار موقع المتحف
لم يكن اختيار موقع المتحف أمرا سهلا، حيث أقيم في منطقة كانت صحراء مليئة كثبان الرملي، وتحويله في هذا الموقع إلى أحد أهم وأعظم المراكز الثقافية في العالم يعد إنجازا كبيرا.
موعد افتتاح المتحف المصري الكبير
واليوم السبت 1 نوفمبر 2025 يفتتح المتحف المصري الكبير، في احتفالية دولية تمتد على مدار 3 أيام، بحضور عدد من رؤساء وملوك الدول والوفود الرسمية من مختلف أنحاء العالم، وسيتاح للجمهور زيارة المتحف اعتبارا من الثلاثاء 4 نوفمبر 2025.
وتنطلق فعاليات الحفل في تمام الساعة السابعة مساء اليوم بتوقيت القاهرة، وتستمر لمدة ساعة ونصف، تتخللها جولة لكبار الزوار داخل قاعات العرض، وسيتم بث الحفل مباشرة عبر عدد من القنوات المصرية والمنصات الرقمية لضمان وصوله إلى الجمهور المحلي والدولي.