حكم زراعة العدسات الملونة؟.. دار الإفتاء تجيب
قالت دار الإفتاء‘ إنّ القيام بإجراء عملية جراحية لزرع العدسات الملونة على هذا النحو الوارد بالسؤال أمرٌ جائزٌ ولا حرج فيه شرعًا؛ سواء أكان ذلك للتداوي؛ كتصحيح النظر أم للزينة، بشرط ألَّا يكون بغرض التدليس والخداع، وألَّا يكون هناك ضرر على من تُجرى له هذه العملية سواء في الحال أو في المستقبل.
ضوابط الزينة التي أباحها الله للمرأة
وأوضحت الإفتاء أنّ الله تعالى أباح للإنسان الزينةَ بضوابطها الشرعية؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾وأباح للمرأة الزينةَ الظاهرةَ أمام غير المحارم؛ فقال تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ والزينة الظاهرة: هي ما تتزين به المرأة في وجهها وكفيها.
وتابعت الإفتاء :والإسلام عندما أباح للمرأة الزينة لتحصيل الجمال أو استكماله لم يطلق لها العنان في ذلك حال ظهورها بها أمام غير المحارم، وإنما وضع لها أسسًا وضوابط؛ منها:
أولًا: ألَّا يكون بها ضرر على المرأة؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ»
ثانيًا: ألَّا تكون بغرض التدليس والتغرير بمن يخطبها؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا»
ثالثًا: ألَّا تتزين المرأة بشيء مما يختص به الرجال فتتشبه بهم؛ لحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لَعَنَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم الْمُتَشَبِّهَاتِ بِالرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنَ الرِّجَالِ".
رابعًا: ألَّا تتزين بما نهى عنه الشارع نهيًا صريحًا مطلقًا؛ كالوشم ونحوه مما فيه تغيير خلق الله.
هذا كله مع الأخذ في الاعتبار أن الزينة مردُّها إلى العرف الذي قد يختلف باختلاف المصر، ويتطور بتطور العصر.
حكم زراعة العدسات الملونة عن طريق العمليات الجراحية
وقالت دار الإفتاء أنّ إجراء عملية جراحية لزرع العدسات الملونة على النحو الوارد بالسؤال أمر جائز ولا حرج فيه شرعًا، ويستوي في ذلك:
- أن تكون لغرض طبي؛ كتصحيح النظر؛ لأن الشرع الشريف قد طلب الأخذ بالعلاج والتداوي وندبه وحثَّ عليه، وورد هذا المعنى في أحاديث كثيرة؛ منها: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حين سئل عن التداوي قال: «تَداوَوا؛ فإنَّ اللهَ عز وجل لم يَضَع داءً إلا وَضَعَ له دَواءً، غيرَ داءٍ واحِدٍ: الهَرَمُ»
- أو تكون لغرض الزينة؛ لأن العدسات الملونة من زينة الوجه الظاهرة المسموح بها مثلها في ذلك كمثل الكحل، وتحمير المرأة وجهها، وغير ذلك مما هو من الزينة الظاهرة.ولا يُعَدُّ هذا الفعل تغييرًا لخلق الله تعالى المنهي عنه؛ لأنه من قبيل صبغ الشعر وهو جائز ولا يعد من تغيير خلق الله، إلا أن الفرق بين العينين والشعر: أن العينين من الوجه وهو جائز الكشف، وأما الشعر فيمنع كشفه لغير المحارم والزوج.
ضابط التغيير لخلق الله المنهي عنه
أشارت الإفتاء أنّ الضابط في تغيير خلق الله المنهي عنه: أنه يسبب ضررًا لفاعله، ويعمل في الجسد عملًا يُغير من خلقته تغييرًا باقيًا؛ كالوشم وتفليج الأسنان ووشرها، وذلك لغير ضرورة أو حاجةٍ تنزل منزلة الضروة، أما إذا خلا من ذلك فلا يعد تغييرًا لخلق الله، لا سيما إذا كان في فعل هذا الأمر مصلحة مباحة لفاعله؛ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللهِ﴾: [اختلف المتأولون في معنى تغيير خلق الله، وملاك تفسير هذه الآية أن كل تغيير ضار فهو داخل في الآية، وكل تغيير نافع فهو مباح]
وتابعت الإفتاء: وهذا المنهي عنه إنما هو فيما يكون باقيًا؛ لأنه من باب تغيير خلق الله تعالى، فأما ما لا يكون باقيًا كالكحل والتزين به للنساء فقد أجاز العلماء ذلك
رأي الإمام محمد الطاهر بن عاشور
قال الشيخ الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" [وليس من تغيير خلق الله التصرف في المخلوقات بما أذن الله فيه، ولا ما يدخل في معنى الحسن؛ فإن الختان من تغيير خلق الله ولكنه لفوائد صحية، وكذلك حلق الشعر لفائدة دفع بعض الأضرار، وتقليم الأظفار لفائدة تيسير العمل بالأيدي، وكذلك ثقب الآذان للنساء لوضع الأقراط والتزين، وأما ما ورد في السنة من لعن الواصلات والمتنمصات والمتفلجات؛ لِلْحُسْنِ فَمِمَّا أَشْكَلَ تَأْوِيلُهُ. وأحسب تأويله أن الغرض منه النهي عن سمات كانت تُعَدُّ من سمات العواهر في ذلك العهد، أو من سمات المشركات، وإلا فلو فرضنا هذه منهيًّا عنها لما بلغ النهي إلى حد لعن فاعلات ذلك، وملاك الأمر: أن تغيير خلق الله إنما يكون إنما إذا كان فيه حظ من طاعة الشيطان بأن يجعل علامة لنحلة شيطانية؛ كما هو سياق الآية واتصال الحديث بها].
واختتمت الإفتاء بقولها :إن قيام المرأة بزرع العدسات الملونة في عينيها عن طريق العمليات الجراحية على النحو الوارد بالسؤال أمر جائزٌ شرعًا ولا حرج فيه؛ سواء أكان ذلك للتداوي كتصحيح النظر أم للزينة، بشرط ألَّا يكون بغرض التدليس والتغرير بالخاطب، وألَّا يكون فيه ضرر عليها سواء في الحال أو في المستقبل

