دراسة حضارات وآثار الأمم السابقة في ميزان الشريعة..دار الإفتاء توضّح
قالت دار الإفتاء ‘إن دراسة آثار الأمم السابقة أمر جائز شرعًا؛ فدراسة آثارهم وتاريخهم والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون أمرٌ يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمي والحضاري النافع، والقرآن الكريم في كثير من آياته قد لَفَتَ الأنظار إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار.
رأي الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق
وأكّدت دار الإفتاء أنّه قد سبق وأن أفتى الإمام الأكبر الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر فتوى -جاء فيها-: [الآثار وسيلة لدراسة التاريخ، وإذ كان ذلك وكانت الأمم الموغلة في القدم؛ كالمصريين القدماء، والفرس، والرومان، وغير أولئك وهؤلاء ممن ملأوا جنبات الأرض صناعةً وعمرانًا، قد لجأوا إلى تسجيل تاريخهم اجتماعيًّا وسياسيًّا وحربيًّا نقوشًا ورسومًا ونحتًا على الحجارة، وكانت دراسة تاريخ أولئك السابقين والتعرف على ما وصلوا إليه من علوم وفنون، أمرًا يدفع الإنسانية إلى المزيد من التقدم العلمي والحضاري النافع، وكان القرآن الكريم في كثير من آياته قد لفت نظر الناس إلى السير في الأرض ودراسة آثار الأمم السابقة والاعتبار والانتفاع بتلك الآثار، وكانت الدراسة الجادة لهذا التاريخ لا تكتمل إلا بالاحتفاظ بآثارهم وجمعها واستقرائها؛ إذ منها تعرف لغتهم وعاداتهم ومعارفهم في الطب والحرب والزراعة والتجارة والصناعة، وما قصة حجر رشيد، الذى كان العثور عليه وفك رموزه وطلاسمه فاتحة التعرف علميًّا على التاريخ القديم لمصر، وما قصة هذا الحجر وقيمته التاريخية والعلمية- بخافية على أحد، والقرآن الكريم حثَّ على دراسة تاريخ الأمم وتبين الآيات في هذا الموضع؛ إذا كان كل ذلك كان حتمًا الحفاظ على الآثار والاحتفاظ بها سجلًّا وتاريخًا دراسيًّا؛ لأن دراسة التاريخ والاعتبار بالسابقين وحوادثهم للأخذ منها بما يوافق قواعد الإسلام، والابتعاد عما ينهى عنه، من مأمورات الإسلام الصريحة الواردة في القرآن الكريم في آيات كثيرة؛ منها قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ، وقوله سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾.
دليل شرعي يفيد في بيان حكم دراسة الآثار
وأوضحت دار الإفتاء أنّه مما يسترشد به في تقرير هذه الضرورة الدراسية والأخذ بها ما نقله أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي في كتابه "الجامع لأحكام القرآن"، عند تفسيره قول الله تعالى في سورة سبأ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ ، من استثناء لعب البنات المجسمة من تحريم صنع التماثيل، فقد قال في المسألة الثامنة ما نصه: [وقد استثني من هذا لعب البنات؛ لما ثبت عن عائشة رضى الله عنها: "أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوجها وهى بنت سبع سنين، وزفت إليه وهى بنت تسع ولعبها معها، ومات عنها وهي بنت ثمانِ عشرة سنة"، وعنها أيضًا قالت: "كنت ألعب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا دخل ينقمعن منه -أي: يتخفين منه- فيسرِّبُهن -أي: يرسلهن ويبعثهن- إليَّ ليلعبن معي" أخرجهما مسلم. قال العلماء: وذلك للضرورة إلى ذلك وحاجة البنات؛ حتى يتدربن على تربية أولادهن. ثم إنه لا بقاء لذلك، وكذلك ما يصنع من الحلاوة أو من العجين لا بقاء له فرخص في ذلك.
وتابعت الإفتاء :وتخريجًا على هذا: كان الاحتفاظ بالآثار؛ سواء كانت تماثيل أو رسومًا أو نقوشًا في متحف للدراسات التاريخية ضرورة من الضرورات الدراسية والتعليمية لا يحرمها الإسلام؛ لأنها لا تنافيه، بل إنها تخدم غرضًا علميًّا وعقائديًّا إيمانيًّا حث عليه القرآن، فكان ذلك جائزًا إن لم يصل إلى مرتبة الواجب، بملاحظة أن الدراسات التاريخية مستمرة لا تتوقف.

