رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حوادث الطرق في مصر.. بين المسؤولية السياسية والحلول الغائبة

حادث قطار مطروح
حادث قطار مطروح

في ظل موجة من الحزن والغضب الشعبي، لا يزال الحديث مستمراً عن حادث الطريق الإقليمي المأساوي الذي عُرف إعلاميًا بـ"حادث بنات العنب"، والذي أودى بحياة 19 فتاة، بالإضافة إلى حادث قطار مطروح الذي خلف 3 وفيات و103 مصابين. 

لم يمر شهر على تلك الحادثة حتى فوجئ المصريين بحادث انقلاب القطار الروسي رقم 1935 المتجه من مرسى مطروح إلى القاهرة، الذي لم يكن مجرد حادثة جديدة على خطوط السكك الحديدية، بل كان جرس إنذار مدوٍ يوقظ ذاكرة المصريين التي لم تنس بعد سلسلة طويلة من الحوادث المأساوية التي حصدت الأرواح وتركت وراءها علامات استفهام لم يُجب عنها بعد.

هذه الحوادث المتتالية كشفت مجدداً عن أزمة متجذرة في منظومة النقل المصرية، وأثارت تساؤلات حول المسؤولية السياسية والقانونية للدولة تجاه حماية أرواح المواطنين.

 

الطريق الإقليمي... طريق الموت

يُعرف الطريق الدائري الإقليمي بـ"طريق الموت" لكثرة حوادثه، حيث شهد في الفترة الأخيرة حادثين مأساويين: الأول راح ضحيته 19 فتاة، والآخر أودى بحياة 9 أشخاص. 

هذه الكوارث دفعت الحكومة إلى اتخاذ قرار غير مسبوق بإغلاق أجزاء من الطريق مؤقتاً لإجراء أعمال الصيانة، بناءً على توجيهات رئاسية.

 في أعقاب حادث “بنات العنب”، دافع وزير النقل عن كفاءة الطرق المشيدة في عهده، مؤكداً أن المسؤولية تقع على "الأخطاء البشرية"، وأشار إلى أن سائق الشاحنة " كان يتعاطى المخدرات ولا يمتلك رخصة قيادة، بينما علق على حادث قطار مطروح قائلًا: إن الحوادث تقع يوميًا بجميع أنحاء العالم، ومنها: ألمانيا والصين والهند وأمريكا، وأكد أن الوزارة لن تتستر عن المسئول عن الحادث. 

أصابع الاتهام: رغم محاولات إلقاء اللوم على العنصر البشري، وجه برلمانيون وخبراء أصابع الاتهام إلى وزارة النقل، مشككين في كفاءة الصيانة والمراقبة.

 

أسباب الحوادث.. من العنصر البشري إلى البنية التحتية

وفقاً لخبراء هندسة الطرق، تتعدد أسباب الحوادث، ويأتي في مقدمتها العنصر البشري بنسبة 64%، يليه الحالة الفنية للمركبة بنسبة 21.9%، ثم حالة الطريق بنسبة 2.4%. 

ورغم الميزانيات الضخمة التي خصصتها الحكومة لمشروعات الطرق، والتي بلغت 155 مليار جنيه لتشييد 6300 كم من الطرق الجديدة، فإن الإحصائيات الرسمية ما تزال تكشف عن أعداد كبيرة من الوفيات والإصابات.

مؤشرات متضاربة: تشير تقارير رسمية إلى انخفاض عدد الوفيات من 8211 في عام 2016 إلى 5260 في عام 2024، لكن في المقابل ارتفعت أعداد الإصابات بشكل ملحوظ في نفس الفترة. وهذا التضارب يؤكد أن المشكلة أعمق من مجرد بناء طرق جديدة.

 

غياب الرقابة الفعالة: الإحصائيات الصادرة عن وزارة الداخلية تكشف عن حجم المشكلة، حيث تم تسجيل أكثر من 18 مليون مخالفة مرورية في الأشهر الستة الأولى من العام الجاري، نصفها تقريباً بسبب تجاوز السرعة. 

كما أن نسبة تعاطي المخدرات بين السائقين لا تزال مرتفعة، حيث بلغت 4.3% من السائقين الذين تم فحصهم.

مسؤولية الدولة.. مقارنة بين التشريعين المصري والفرنسي

تُعد حوادث الطرق "حرباً غير معلنة" تزهق أرواح الأبرياء، وتكبد الاقتصاد خسائر تقدر بـ3% من الناتج المحلي الإجمالي في معظم البلدان. 

ولكن يبقى السؤال الأهم: من يتحمل المسؤولية؟

القانون المصري: يعتمد على مبدأ "المسؤولية التقصيرية"، حيث يقع عبء إثبات وجود "خطأ جسيم" من جهة الإدارة على كاهل المتضرر. 

وهذا يجعل الحصول على تعويضات أمراً صعباً ومعقداً، خاصة في ظل ضعف تقارير التحقيقات.

القانون الفرنسي: يتبنى مقاربة أكثر شمولاً من خلال مبدأ "المسؤولية بدون خطأ" في حالة الأضرار المتعلقة بالمرافق العامة الخطرة. 

فالدولة تُعتبر مسؤولة عن الأضرار حتى لو لم يثبت وجود خطأ، إذا كان الطريق نفسه ينطوي على خطر غير اعتيادي لم تُتخذ ضده إجراءات وقائية كافية. 

وهذا المبدأ يهدف إلى تحقيق العدالة وتخفيف العبء عن كاهل الضحية.

 

غياب المسؤولية السياسية

في ظل هذه المعطيات، يتضح أن مسؤولية الدولة عن حوادث الطرق في مصر لا تزال محدودة، ولا تعترف بمبدء المسؤولية السياسية وتقتصر على إثبات الخطأ، على عكس الأنظمة القانونية الأكثر تطوراً مثل النظام الفرنسي.

تحقيق السلامة المرورية وحماية الأرواح يتحقق بـ:

 

إصلاح شامل للمنظومة القانونية: بحيث يتم توسيع نطاق المسؤولية لتشمل حالات الخطر الجسيم دون اشتراط التقصير.

تفعيل دور الرقابة الوقائية: عبر استخدام "الطرق الذكية" لرصد المخالفات وتحديد أسباب الحوادث بدقة.

إصلاحات هيكلية: الفصل بين جهات التخطيط والتنفيذ والمراقبة، وتضمين بنود الصيانة في عقود المشاريع، بالإضافة إلى الاهتمام بالإنارة وتخطيط الحارات المرورية.

التشديد على الجانب البشري: من خلال تحسين معايير منح رخص القيادة وتكثيف حملات فحص تعاطي المخدرات.

فإن حق المواطن في طريق آمن ليس ترفاً، بل هو التزام أساسي على الدولة، ولا يمكن التسويف في تحقيقه.

ومن ثم 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء