رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حكم إقامة المتاحف وصناعة التماثيل؟.. دار الإفتاء تحسم الجدل

قناع توت عنخ آمون
قناع توت عنخ آمون

قالت دار الإفتاء إنّه يجوز شرعًا إقامة المتاحف ووضع التماثيل فيها؛ لأن التماثيل في عصرنا لا يُقصد بها مضاهاة خلق الله، ولا يُقصد بها العبادة والتقديس، ولا تُصْنَع لغرضٍ محرَّم، فإنْ قُصِد بها غرض صحيح: من تَعلُّمٍ، أو تأريخٍ، أو زينةٍ، أو غيرها من الأغراض المباحة في الشريعة فالقول بجوازها أولى، سواء كانت كاملة أو غير كاملة، على الحجم الطبيعي للإنسان أو لا، قُصد بها اللعب والتربية للأطفال وغيرهم أو لا، ويجوز أن تُستخدم، وأن تُباع، وأن تُشترى؛ ولا يجوز تكسيرها كما يفعله بعض الجهَّال والمنحرفين.

تحريم صناعة التماثيل مقيّد 

وأكّدت دار الإفتاء أنّ الأحاديث المتعلقة بالتصوير والتماثيل والوعيدَ على تحريم التصوير خاص بمن كان في ذلك الزمان الماضي  لقرب العهد بعبادة الأوثان، وأما الآن فلا، والتحقيق أنَّ الأصلَ في الوعيد على التصوير قسمان: أحدهما: لا يتحقق إلا بالقصد، وهو مضاهاة خلق الله. وثانيهما: لا يُشترط فيه قصد علة الحصر، وهو كما يُؤخَذُ من حديث كنيسة الحبشة، وممَّا صرح به المحققون من المتقدمين والمتأخرين في شرحه وشرح غيره، وهو سد ذريعة عبادة صور الأنبياء والصالحين وغيرهم.. إنَّ سد الذرائع يختلف باختلاف الأزمنة وباختلاف أنواع الصور، ولما كانت التماثيل والصور المعظمة في الجاهلية تعظيم العبادة هي صور ذات الأنفس أذن ابن عباس رضي الله عنه للمُصَوِّر الذي استفتاه بتصوير الشجر وما لا نفس له، ولما صارت صور ذات الأنفس لمجرد الزينة، وزالت مظنة العبادة اتَّخذ بعض أئمة السلف بعض الصور في بيوتهم، كما ترك الصحابة الصور في إيوان كسرى.

مصالح مترتبة على الاحتفاء بالآثار 

وتابعت الإفتاء : وقد ظهر أنَّ تحريمَ الأصنام والتماثيل ليس تحريمًا ذاتيًّا، وإنما هو تحريم لغيره وهو التحريم لمَا يفعل بها، مثل أن يقصدَ صانعُها مضاهاة خلق الله، أو تُتَّخذ للعبادة والتقديس ونحو ذلك، والقاعدة في المُحَرّم لذاته أن يباح للضرورة؛ كأكل الميتة ولحم الخنزير، وفي المُحَرّم لسدّ الذريعة؛ أي: المحرم لغيره، أن يُبَاح للمصلحة الراجحة؛ كما أبيحت رؤية الطبيب للعورات، وأبدان النساء الأجنبيات، وقد عدَّد الشيخ الإمام  محمد عبده رحمه الله المصالح التي تحصل من استخدام الصور والتماثيل وأنها نافعة جدًا في العلوم المعاصرة، وأنَّ له أنواعًا من الفوائد في حفظ اللغة، وإيضاح كثير من العلوم والفنون: كالتاريخ والطب والتشريح، وفي الأعمال العسكرية والإدارية والسياسية، فقال في المرجع السابق نفسه: [إنَّ له أنواعًا من الفوائد في حفظ اللغة، وإيضاح كثير من العلوم والفنون، وفي الأعمال العسكرية والإدارية والسياسية، وذكرت له من الأمثلة على ذلك.. ولا يترتب على نوع ما من أنواع هذه التصاوير تَذَرُّعٌ إلى عبادةٍ غير مشروعة، ولا إلى تعظيم ديني، ولا يُقْصَدُ بشيء منها مضاهاة خلق الله.

دليل عام على جواز صناعة التماثيل 

وأوضحت الإفتاء أنّه مما يدلّ على تخصيص العموم ما رواه البخاري رحمه الله في "صحيحه" عن هشام عن أبيه أن السيدة عائشة أمَّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: "كُنْتُ أَلْعَبُ بِالْبَنَاتِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ، وَكَانَ لِي صَوَاحِبُ يَلْعَبْنَ مَعِي، فَكَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآله وسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ يَتَقَمَّعْنَ مِنْهُ، فَيُسَرِّبُهُنَّ إِلَيَّ فَيَلْعَبْنَ مَعِي"؛ قال الإمام البدر العيني: [واستدل بهذا الحديث على جواز اتخاذ صور اللعب من أجل لعب البنات بهن، وخُصَّ ذلك من عموم النهي عن اتخاذ الصور، وبه جزم عياض ونقله عن الجمهور، وأنهم أجازوا بيع اللعب للبنات لتدربهن من صغرهن على أمر بيوتهن وأولادهن] اهـ. ومن ثَمَّ استثنى الفقهاء من حرمة التماثيل ما كان فيه مصلحة: كلعب الأطفال، ووسائل الإيضاح في التعليم؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرَّ وجود العرائس عند السيدة عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها.

واختتمت الإفتاء بقولها : إنه يجوز أن تُصنع التماثيل، وأن تُستخدم، وأن تُباع، وأن تُشترى؛ خاصة أنها قد انتفى عنها مضاهاة خلق الله، بشرط أن لا يُقْصَد بها العبادة والتقديس، ولا تُصْنَع لغرض مُحَرَّم، ولا سيما إنْ قُصِد بها غرض صحيح: من تَعلُّمٍ، أو تأريخٍ، أو زينةٍ، أو غيرها من الأغراض المباحة في الشريعة، سواء أكانت كاملة أو غير كاملة، على الحجم الطبيعي للإنسان أو لا، قُصِد بها اللعب والتربية للأطفال وغيرهم أو لا، وعليه فلا تَحْرُم إقامة المتاحف ووضع هذه التماثيل فيها للأغراض السابقة أو غيرها

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء