نجيب محفوظ.. ضحكته لم تفارقه حتى على فراش الموت
خفة الظل موهبة ربانية لا تُكتسب بالتعلم، فلا يمكن لأحد أن يحصل عليها بمجرد حفظ نكتة أو تقليد دعابة. هناك أشخاص قادرون على إضحاك من حولهم بكلمة عابرة أو برد فعل مختلف دون تكلف. وهكذا كان الأديب العالمي نجيب محفوظ، الذي ظل قادرًا حتى في لحظات المرض، وهو يجلس على فراش الموت، على إضحاك من حوله وتحويل مأساة مرضه إلى دعابة يطلقها على من بجواره.
كان نجيب محفوظ “ابن نكتة” كما يُقال بالعامية عن الشخص خفيف الظل. كثير المزاح والفكاهة، صاحب حس ساخر حاضر دائمًا مع أصدقائه وتلاميذه، فكما كان فذ الثقافة، كبير المعرفة، عظيم الموهبة، كان أيضًا شديد المزاح، صاحب خفة دم كبيرة لا يضاهيها ربما إلا موهبته.
في أيامه الأخيرة، وبعد أن سقط نجيب محفوظ في منزله ونُقل على إثرها إلى مستشفى الشرطة، لم تفارقه روح الدعابة، فكان يطلق النكات حتى على ما أصابه هو شخصيًا، مجسدًا بذلك بساطته وتواضعه اللذين لازماه رغم مجده الكبير. فصورته الشهيرة وهو يجلس على المقهى في صباح اليوم التالي لإعلان فوزه بنوبل عام 1988، وفي يده جريدة الأهرام تحتفي بخبر الفوز، تحولت إلى أيقونة ساخرة يتداولها الناس حتى اليوم بعد مرور ما يقارب 37 عامًا.
الدعابة الأخيرة في حياة النجيب
الكاتب الكبير محمد سلماوي يروي في كتابه “نجيب محفوظ.. المحطة الأخيرة” الدعابة التي ربما كانت الأخيرة في حياة صاحب الثلاثية. فيقول:
“وما إن أفاق الأستاذ نجيب من العملية حتى وجدني أمامه، فسألني: “هو إيه اللي حصل؟”. فشرحت له أنه تعثر مثلما نتعثر جميعًا، وأنه جاء إلى المستشفى لعمل غرزتين، وسيخرج خلال أيام. كانت تجلس معه في الغرفة السيدة عطية الله، وتقف بجواره الممرضة هالة التي تعرف عليها الأستاذ على الفور، فقد كانت تتولى رعايته عندما دخل المستشفى نفسه شتاء 1994 عقب محاولة الاغتيال. فحيّاها وقال: “هو إحنا في مستشفى الشرطة؟”. قلت: “نعم”. قال: “وبتقول غرزتين؟”. قلت: “نعم”. فقال ضاحكًا: “لم أكن أعرف أن الشرطة أصبحت تسمح الآن بالغرز”. فضحكنا جميعًا، لكن ضحكته المجلجلة كانت هي الأعلى.”