يعيش نجيب محفوظ حتى في موته.. 19 عاما على رحيل عميد الرواية العربية
قبل 19 عاما، كان نجيب محفوظ (1911 – 2006) يصارع الموت للمرة الأخيرة، تلك السر الكوني الغريب الذي طالما تحدث عن في أعماله، وأحترمه إلى حد القداسة، جاء هذه المرة ليأخذ صاحب نوبل في الآداب إلى عالم المجهول، ربما ذهب الجسد، وصعدت الروح، لكن بقيا الأثر خالدًا، ليعيش صاحبه عقود وقرون إلى الأبد.
اليوم تمر الذكرى التاسعة عشرة على رحيل عميد الرواية العربية الأديب العالمي نجيب محفوظ، إذ رحل في صباح يوم 30 أغسطس عام 2006، واضعًا نهاية أديب ملآ العالم بأدبه وإبداعه، فأصبحت كتاباته أيقونة رائعة متلألأة من أيقونات الأدب العربي والعالمي، وكما كتب الشاعر الكبير الخال عبد الرحمن الأبنودي في رثاء الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، ويعيش جمال حتى في موته، يظل نجيب حي في ذاكرتنا وفي ذاكرة المكتبة العربية حتى بعد فناء جسده وصعود روحه.
ولد نجيب محفوظ في حي الجمالية العريق على بُعد أمتار من متحفه الكائن في تكية محمد أبو دهب، بالتحديد في حارة درب قرمز، تلك الحارة البسيطة الصغيرة، التي لا يُعرف الكثير عنها ولا عن أهلها، لكنها في ليلة 11 ديسمبر عام 1911، كانت على موعد مع التاريخ التي خلدها ليبقى اسمها مقترنًا للأبد باسم الطفل الصغير الذي ولد في منزل عبد العزيز إبراهيم، وقرر أبوه أن يسميه على اسم طبيبه الذي قام بتوليد أمه، نجيب محفوظ، فكان نجيبًا وعظيما في عالم الأدب، وبقى محفوظ الذاكرة الإنسانية.
الأم الحكًاءة
عرف نجيب محفوظ الأدب أولا من حكايات، فكانت والدته هى الحكاءة التي نهل منها حكاياته، والعالم الذي استمد منه رموزه وشخصياته، وهكذا تشكلت اللبنة الأولى في وعي نجيب على يد أمه السيدة فاطمة ابنة الشيخ مصطفى قشيشة.
بدأ "محفوظ" رحلته فى عالم الأدب من بوابة القصة القصيرة، ونشر أولى قصصه فى مجلة الرسالة عام 1936، وكانت روايته الأولى "عبث الأقدار" التى نشرت عام 1939، ثم أتبعها بروايات: "كفاح طيبة" و"رادوبيس"، فتتناول فى تلك الثلاثية رؤيته التاريخية.
من التاريخ إلى الواقعية
من التاريخ إلى الواقعية تحول أدب نجيب محفوظ، حيث بدأ التركيز على الأدب الواقعي في عام 1945م، بروايات: "القاهرة الجديدة" و"خان الخليلي" و"زقاق المدق"، ثم جنح للروايات الرمزية كما في رواياته: "الشحاذ" و"الباقي من الزمن ساعة"، و"أولاد حارتنا"، والأخيرة كانت سببًا في جِدال طويل أدى إلى محاولة اغتياله بسبب تأويلات دينية للرواية لم تعجب المحافظين، حتى إنه قد تَمَّ منعها من النشر لفترة طويلة.
وقد تحول الروائي والكاتب "نجيب محفوظ" أثناء رحلته الأدبية الطويلة في رصد الحياة عامة، ملامح الحياة داخل القاهرة خاصة؛ ليتحول هو نفسه إلى ملمح ثابت في تاريخ الرواية العربية وتاريخ مصر الحديث؛ ولينتقل محفوظ خلال تلك الرحلة الطويلة من القصص والروايات ذات الطابع الفرعوني، والتاريخي، ورصد الأقدار، ومفارقات الحياة وعبثها وغموضها المبهم بطريقة أقرب للتساؤلات الفلسفية والتأملية في قالب قصصي؛ كما في: مصر القديمة (1932) همس الجنون (1938) عبث الأقدار رادوبيس (1943) كفاح طيبة (1944).
الواقعية الجديدة
بعدها انتقل "محفوظ" للتأريخ الروائي، وصبغ رواياته الطويلة بالواقعية الجديدة، وهي مرحلة من أجمل مراحل محفوظ؛ حيث سيبدع في رسم شخصياته داخل أنساق اجتماعية مركبة وواقعية سحرية، تضيء شعلة الأمل لشخصياتها وقرائها، ثم تنطفئ في وجه رياح الواقع الشديدة ومأساويته، كالبرق ينير ويختفي؛ فتزيغ الأبصار وتحتار العقول، وبشكل عام جاءت أعمال نجيب محفوظ الأدبية كتحفة روائية يمكن تأويلها فلسفيا، فظهر وكأنه فيلسوفًا خسرته الفلسفة وكسبته الرواية العربية، حسبما وصفه النقاد.
نال "نجيب محفوظ" العديد من الجوائز والتكريمات، أهمها حصوله على جائزة "نوبل" العالمية في الأدب عام 1988، ترجمت أعماله إلى جميع اللغات تقريبًا ويتم تدريسها في جامعات العالم المختلفة، ومع مرور الزمن أصبحت أعماله كالذهب كلما قدم أصبح أكثر قيمة، وكلما تعمقنا أكثر وجدنا أديبا وفيلسوفا نادر الوجود، دائم السيرة، أبدى الخل