قبرص الموحدة.. وحدة سياسية أم معادلة نفطية؟
بعد فوز طوفان إرهورمان برئاسة قبرص التركية يبرز الاهتمام بسيناريوهات تقاسم الغاز شرق البحر المتوسط في حال تم توحيد قبرص، لأن طوفان من التيار المؤيد للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي والتقارب مع الشطر اليوناني للجزيرة، على عكس الرغبة التركية، ورغم أن إنجاز هذا المشروع ليس سهلًا ولا متوقعًا على المدى القريب، لكنه يظل احتمالًا واردًا تزداد فرصه بوصول الرئيس الجديد.
تمثل احتمالية توحيد جزيرة قبرص، بعد عقود من الانقسام بين شطرين يوناني وتركي، نقطة تحوّل استراتيجية في معادلة الطاقة في شرق البحر المتوسط؛ فالقضية ترتبط مباشرة بمستقبل ثروات الغاز المكتشفة في المنطقة وبشبكة المصالح الجيوسياسية، التي تشمل تركيا واليونان ومصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، بالإضافة إلى التأثير على الحرب الأوكرانية.
وفي حال تحقق التوحيد ستبرز أسئلة جوهرية حول كيفية تقاسم الموارد وتوجيه العوائد بما يضمن الاستقرار السياسي في الدولة الموحدة.

الإطار القانوني لتقاسم الموارد
يمثل الجانب القانوني حجر الزاوية في أي اتفاق حول الغاز في حال توحيد قبرص. فالمناطق الاقتصادية الخالصة التي أعلنتها حكومة نيقوسيا المعترف بها دوليًا حاليًا، كانت محور نزاع طويل مع تركيا وجمهورية شمال قبرص التركية غير المعترف بها دوليًا، ففي حال التوحيد ستكون هناك حاجة إلى إعادة ترسيم داخلي للحقوق البحرية ضمن إطار قانوني موحّد يأخذ بعين الاعتبار المكوّنين الرئيسيين للدولة الجديدة، الأتراك واليونانيين.
يمكن تصور نموذجين لتقاسم الموارد: الأول يقوم على توحيد السيادة الكاملة على المنطقة الاقتصادية وإدارة الموارد من قبل حكومة قبرصية مركزية مع توزيع الإيرادات وفق آلية دستورية داخلية، ونموذج آخر يقوم على إنشاء هيئة مشتركة لإدارة الموارد تتولى منح التراخيص وتوزيع العوائد بما يضمن التوازن بين المكوّنين داخل الجزيرة المتوسطية، ونجاح أي من النموذجين يتوقف على صياغة تشريعية دقيقة.
الأبعاد الفنية والبنية التحتية لتسويق الغاز
ستواجه الدولة القبرصية الموحدة تحديًا آخر لا يقل أهمية عن القضايا القانونية، ألا وهو كيفية استثمار وتصدير الغاز؛ فالخيارات متعددة، ولكل منها كلفة واستحقاقات سياسية، إذ يمكن مدّ خطوط أنابيب مباشرة نحو أوروبا عبر اليونان، إلا أن هذا الخيار يظل مكلفًا ويتطلب استقرارًا إقليميًا طويل الأمد، والبديل الثاني يتمثل في ربط الحقول القبرصية بالبنية التحتية المصرية القائمة، ولا سيما محطات تسييل الغاز في إدكو ودمياط، وهو الخيار الأكثر واقعية من حيث الجاهزية التقنية والجدوى الاقتصادية، وهناك خيار ثالث يتمثل في إنشاء محطة على الساحل القبرصي، وهو خيار يمنح الدولة استقلالية أكبر لكنه يحتاج تمويلًا ضخمًا.
وبغض النظر عن المسار المختار، فإن توحيد قبرص سيجذب اهتمام الشركات الدولية الكبرى التي تبحث عن بيئة مستقرة قانونيًا وأمنيًا لتطوير الحقول، وعلى رأسها حقل "أفرويديت" الذي يمثل محور الاستثمار الغازي القبرصي المستقبلي.

التداعيات الإقليمية
لن يكون لتوحيد جزيرة قبرص أثر داخلي فحسب، بل سيمتد تأثيره إلى معادلة القوى في شرق المتوسط بأكملها؛ فتركيا التي تعتمد على وجود الشطر الشمالي كأداة نفوذ بحري ستعيد حساباتها في حال انتقال الجزيرة إلى وضع فيدرالي موحد، وفي السيناريو المثالي قد يشكل التوحيد نقطة انطلاق لتسوية بحرية شاملة بين أنقرة ونيقوسيا الجديدة، تسمح بتعاون اقتصادي وتبادل للطاقة، لكن هناك أيضًا احتمال أن يستمر التوتر إذا شعرت تركيا بأن مصالحها لم تُراعَ في الترتيبات الجديدة، بينما قد تجد كل من مصر وإسرائيل في الدولة القبرصية الموحدة المفترضة شريكًا مستقرًا لتوسيع شبكة تصدير الغاز إلى أوروبا، خاصة في ظل التوجه الأوروبي لتقليل الاعتماد على الغاز الروسي، وبالتالي من المتوقع أن يعزز الاتحاد الأوروبي دعمه السياسي والمالي لقبرص الموحدة باعتبارها ركيزة لأمن الطاقة في القارة، وبالتالي فإن مستقبل الغاز في شرق المتوسط لن يُحدد فقط في غرف المفاوضات القبرصية، بل في إطار توازنات إقليمية معقدة تشمل المصالح البحرية والعسكرية والاستثمارية لدول المنطقة.
ومن المفترض أن يشكل الغاز موردًا استراتيجيًا للدولة القبرصية الموحدة، لكنه في الوقت ذاته قد يتحول إلى مصدر توتر طائفي إذا لم تُنظَّم عملية توزيع العوائد بوضوح وعدالة بين المسلمين والأرثوذكس، لذا قد تلجأ الدولة القبرصية الموحدة إلى تخصيص نسبة من العوائد لتمويل التنمية في المناطق الأقل حظًا، خاصة مناطق الشمال، لضمان شعور الجميع بثمار الوحدة الاقتصادية.
وسوف يشكل الغاز الطبيعي فرصة لتنويع الاقتصاد القبرصي بعيدًا عن الاعتماد على الخدمات والسياحة، وذلك من خلال تطوير الصناعات المرتبطة بالطاقة، وتوسيع برامج التدريب المهني والتقني لخلق وظائف جديدة في قطاعات التكنولوجيا والطاقة المتجددة.
ختامًا:
توحيد الجزيرة لن يكون مجرد تسوية سياسية داخلية، بل خطوة نحو إعادة صياغة مشهد الطاقة في شرق المتوسط وما يرتبط بذلك من حسابات إقليمية ودولية، فالغاز يمكن أن يتحول إلى جسر للتعاون أو إلى وقودٍ للتوتر تبعًا لكيفية إدارة الملف، ويتطلب النجاح في ذلك تبني رؤية شاملة تتكامل فيها الأبعاد القانونية والفنية والسياسية والاقتصادية، مع إرادة إقليمية لتقليل النزاعات وتعظيم المنافع المشتركة، فالاستقرار هو العامل الحاسم في جذب التمويل الدولي وتثبيت ثقة الشركات الكبرى.
ويظل سيناريو توحيد قبرص فرصة تاريخية لتحويل ثروة الغاز من عامل انقسام إلى أداة وحدة وتنمية، شرط أن تُبنى السياسات المقبلة على أسس العدالة والشفافية وتحظى بدعم إقليمي ودولي لإتمام الوحدة المنشودة.



