رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من بغداد إلى أثينا.. كيف سافرت المسقعة عبر القرون لتصبح أيقونة المطبخ اليوناني

حكاية أكلة المسقعة
حكاية أكلة المسقعة

على مائدة واحدة يمكن أن تجتمع كل حكايات الشرق والغرب في طبق واحد وهو في أكلة المسقعة، ذلك الطبق الذي يحمل في طبقاته الدافئة سيرة عابرة للقرون والقارات، من بغداد العباسية إلى أثينا الحديثة.

فهذه الأكلة ليست مجرد وجبة من الباذنجان والصلصة واللحم، بل سجل صغير لتاريخ الطهو نفسه، تختلط فيه الروائح بالعادات، وتتلاقى الثقافات على نار هادئة، وفي كل شوكة منها طعم من الماضي، ونكهة من الحاضر، وذكرى من بيت بعيد.

فكيف تحولت المسقعة من وصفة عربية منسية إلى أيقونة يونانية تزين موائد العالم؟

فبحسب national geographic  فكانت البداية من الشواطئ اليونانية إذ إن في كل حانة صغيرة مطلية بالأبيض على شواطئ اليونان، تقدم المسقعة كأنها أيقونة المطبخ اليوناني طبقات من الباذنجان الحريري، واللحم المتبل بعطر القرفة، وتاج من صلصة البشاميل الذهبية يلمع تحت الفرن ولكنها، في الحقيقة، ليست يونانية خالصة كما يظن الزوار، فالمسقعة بطبقاتها الدافئة وأصولها المتشابكة، تحمل في قلبها حكاية تمتد من بغداد في العصور الوسطى إلى مطابخ أثينا الحديثة.

البداية: “المُبللة” من الشرق

وفي القرن الثالث عشر، كانت هناك وصفة في كتاب عربي قديم يُعرف باسم "كتاب الطبيخ" أو "كتاب طبخ بغداد" وُصفت فيها أكلة تُدعى "المغمومة" أو "المقطعة"، تتكون من طبقات من الباذنجان والبصل واللحم، تُطهى في مرق بنكهة الخل، ويقول الباحث تشارلز بيري، المتخصص في المطبخ العربي الوسيط، إن الكلمة العربية "مسقعة" مشتقة من “مُبَلّلة”، في إشارة إلى الطبق الذي يتشرب عصارة الطماطم واللحم والزيت  وهي روح المسقعة التي نعرفها اليوم.

من المشرق إلى العثمانيين

ومع توسع الإمبراطورية العثمانية، عبر الطبق من الشرق الأوسط إلى تركيا والبلقان، وتبدل شكله مع كل محطة في التركية، تعني كلمة "موساكا" ببساطة طبقًا من الخضار المقلية مع اللحم المفروم  طبق شعبي وبسيط، لا يعرف البشاميل ولا الطبقات المحكمة التي تشتهر بها النسخة اليونانية اليوم.

وفي أوائل القرن العشرين، كان الطاهي اليوناني نيكولاس تسيليمينتس يعيش هوسًا بالمطبخ الفرنسي، بعد أن تدرب في فيينا عاد إلى أثينا ليحدث ثورة في المطبخ المحلي، وفي عام 1910 أصدر مجلة للطبخ، ثم كتابه الشهير "أوديجوس ماجيريكيس" (دليل الطبخ)، الذي غير شكل المائدة اليونانية إلى الأبد.

وفي صفحاته، ظهرت المسقعة بالشكل الذي نعرفه الآن وهي طبقات من الباذنجان، واللحم المتبل، وصلصة بشاميل كريمية فوقها لمسة فرنسية صافية، صارت من وقتها سمة يونانية بامتياز.

ولم يكن الجميع معجبين بتسيليمينتس فبعض النقاد، مثل الكاتبة أجلايا كريميزي، رأوا أنه أبعد الطبخ اليوناني عن جذوره الشرقية وقالت عنه: "كان يراها أطعمة دهنية ومُبهّرة أكثر من اللازم." لكنه رغم ذلك، جعل من المسقعة طبقًا "حديثًا" بمقاييس مطبخ تلك الحقبة، وأدخلها إلى كل بيت يوناني.

مئات الوجوه لطبق واحد

ومنذ ذلك الحين صارت للمسقعة مئات الوجوه، في لبنان تطهى نباتية، تغمر بالزيت والطماطم، أما في ألبانيا تضاف إليها البطاطس والزبادي.

وفي اليونان، يختلف الطهاة حول كل تفصيلة هل اللحم بقر أم ضأن؟ هل تُستخدم البطاطس أم الكوسة؟

وتقول الكاتبة كارولينا دوريتي في كتابها "ملح الأرض": “لا توجد طريقة صحيحة واحدة لصنع المسقعة فكل عائلة لها نسختها الخاصة، وكل طاهٍ يضيف شيئًا من ذاكرته”.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء