أكلات سيئة السمعة تثير الفزع.. ومعهد التغذية يكشف الحقيقة
في كل بيت مصري، أصبح الحديث عن الطعام يحمل قدرًا من الخوف والشك أكثر من الشهية، اللانشون، التونة، الرومي، الإندومي.. أسماء ارتبطت في أذهان الناس بعبارات مثل “مواد مسرطنة” و”أكلات سامة” و”خطر على الأطفال في المقابل، تتزايد التحذيرات على مواقع التواصل الاجتماعي، ويدور السؤال الكبير.. “لو كل ده خطر… ناكل إيه؟!”
بين الشائعات التي تتناقل بلا مصدر، والتحذيرات العلمية الصادرة عن جهات رسمية، يقف المواطن حائرًا بين اللقمة والخوف.
التحقيق التالي يحاول أن يقترب من الحقيقة، ويستعرض آراء المختصين في التغذية وسلامة الغذاء، ويبحث هل حقًا هناك أكلات مسرطنة؟ أم أن القصة مزيج من المعلومة والعشوائية؟
من اللانشون للتونة.. قائمة الاتهامات الطويلة
بدأت التحذيرات تتسع مع انتشار منشورات على “فيسبوك” و“تيك توك” تزعم أن اللانشون يحتوي على مواد مسرطنة، وأن التونة ملوثة بالزئبق، وأن الرومي الصناعي مليء بالهرمونات، بينما الإندومي “قاتل صامت” في جولة بسوق السيدة زينب، قالت “أم حسن ” وهي تتردد أمام ثلاجة الجبن واللانشون “بقالي شهرين مش بشتري لانشون لولادي.. كل يوم نسمع إنه خطر، بس الأسعار بتخلي الواحد مش عارف ياكل إيه غيره.
الحقيقة من داخل معهد التغذية القومي
قالت الدكتورة سحر خيري ، عميد المعهد القومي للتغذية لـ"إيجبتك" إن كثيرًا من المعلومات المتداولة حول “الأكلات المسرطنة” غير دقيقة: "مفيش حاجة اسمها أكل مسرطن في ذاته، لكن في أكل بيبقى خطر لو اتعمل أو اتخزن بطريقة غلط، أو لو زادت فيه المواد الحافظة عن الحد المسموح".

وتضيف سحر أن اللانشون مثلًا يُصنع باستخدام مواد حافظة اسمها النيتريت، وهي مادة مسموح بها دوليًا بنسبة معينة لأنها تمنع نمو البكتيريا ولكن لما المصانع غير المرخصة تستخدمها بنسب عشوائية، هنا يبدأ الخطر.
أكدت أن التونة من الأسماك المفيدة جدًا، لكن فيها نسبة زئبق طبيعية الخطر يظهر لو تم تناولها بكميات كبيرة جدًا أو من مصادر غير موثوقة والأطفال والحوامل لازم يقللوا منها، لكن عامة الناس ممكن يأكلوها باعتدال من منتجات معروفة.
وعن الإندومي، تقول عميدة المعهد القومي للتغذية: “هو مش مسرطن، لكنه وجبة فقيرة غذائيًا المشكلة في الاعتماد عليه كوجبة أساسية كل يوم ولا يحتوي على بروتين أو خضار، وبه نسبة صوديوم عالية جدًا تسبب مشكلات في الضغط مع الوقت".
خبير سموم يحذر من اللحوم المصنعة والمواد الحافظة
حذر الدكتور محمود عمرو أستاذ الطب المهني والبيئي ومؤسس المركز القومي للسموم بكلية طب قصر العيني، من المخاطر الصحية الجسيمة المرتبطة بتناول اللحوم المصنعة وجميع المنتجات الغذائية التي تحتوي على مواد حافظة، مؤكدًا أن هذه المواد تمثل عبئًا كبيرًا على أعضاء الجسم الحيوية، خاصة الكبد والكلى.

وأوضح الدكتور عمرو أن مصر تُعد من أعلى دول العالم في معدلات الإصابة بالفشل الكلوي، نتيجة الإفراط في تناول الأطعمة السريعة والمصنعة، مشيرًا إلى أن الكبد يتعرض لإرهاق شديد أثناء محاولته التخلص من السموم الناتجة عن هذه المواد، ما يؤدي إلى تراجع كفاءته تدريجيًا.
وأضاف أن قدرة الكبد على تنقية الجسم من السموم قد تقل بنسبة تتجاوز 70% في بعض الحالات، خاصة مع تكرار فترات التعرض لتلك المواد الضارة، مما يعرض الإنسان لخطر التسمم المزمن حتى مع الجرعات المنخفضة.
وفيما يتعلق بالأسماك، نبه أستاذ السموم إلى خطورة تناول الأسماك كبيرة الحجم مثل التونة، لاحتوائها على نسب مرتفعة من الزئبق، وهي مادة شديدة السمية يمكن أن تؤثر على الجهاز العصبي، وتشكل خطرًا مضاعفًا على النساء الحوامل والأجنة.
كما نصح بتجنب الرنجة واللحوم المحفوظة والمجمدة، لما لها من تأثير سلبي على الكبد والكلى، مشيرًا إلى أنها تُضعف قدرة الجسم على التعامل مع الملوثات والسموم ولفت إلى أن الدواجن المصنعة، وكذلك الشوربة الجاهزة والمعلبة، ليست خيارًا صحيًا، إذ تحتوي على مكسبات طعم ومواد حافظة تسبب أضرارًا على المدى البعيد، خاصة لدى الأطفال وكبار السن الذين تقل لديهم قدرة الجسم الطبيعية على التخلص من السموم.
واختتم الدكتور محمود عمرو حديثه لموقع "إيجبتك "برسالة تحذير واضحة للمواطنين، مؤكدًا أن العودة إلى الطعام الطبيعي والطازج، وتقليل الاعتماد على الأطعمة المصنعة، هو السبيل الأهم للحفاظ على الصحة العامة، وتخفيف العبء عن الكبد والكلى، وبالتالي تقليل معدلات الإصابة بالأمراض المزمنة والسرطانات المرتبطة بالتغذية.
بين الأسعار والخوف.. المواطن يبحث عن الأمان الغذائي
مع ارتفاع الأسعار، يجد كثير من الأسر صعوبة في الاعتماد اليومي على اللحوم والدواجن الطازجة، فيلجأون إلى البدائل الأرخص مثل اللانشون، السجق، والتونة لكن تكرار التحذيرات جعلهم عالقين بين الحاجة والقلق و يقول الخبير الاقتصادي وليد جاب الله أن الأمن الغذائي الشعبي مش بس توفير أكل، لكن كمان إحساس المواطن إن الأكل ده آمن و لما يفقد الثقة في المنتج، حتى لو رخيص، بيتأثر السوق كله.

ويضيف وليد جاب الله أن الحل مش في التخويف، لكن في تشديد الرقابة، وتوعية المستهلك إزاي يقرأ المكونات، ويفرق بين المنتج المرخص والمغشوش.
الأكل الآمن.. المعادلة ممكنة
توصي الدكتورة مروة شعير استاذ مساعد التغذية الخاصة بمعهد بحوث التكنولوجيا الاغذية، بعدة نصائح بسيطة لحياة غذائية آمنة دون حرمان .. الاعتدال هو الأساس: لا إفراط ولا حرمان و قراءة تاريخ الإنتاج والمكونات قبل الشراء و تجنّب المنتجات الرخيصة جدًا أو المجهولة المصدر و حفظ الأطعمة في درجات حرارة مناسبة و تنويع مصادر البروتين مثل بيض – بقوليات – أسماك خفيفة – لحوم طازجة.

وتضيف دكتورة مروة شعير أن المشكلة مش في الأكل نفسه.. المشكلة في أسلوب حياتنا الغذائي. ماينفعش نلوم طبق وننسى عاداتنا.
بين الحقيقة والشائعة
وأكدت الدكتورة مروة شعير أن كل التحذيرات ليست صحيحة، والخطر الحقيقي في المنتجات غير المرخصة وسوء التخزين والإفراط في الاستهلاك وجهاز سلامة الغذاء ومعهد التغذية يؤكدان أن الاعتدال هو الحل والمواطن يحتاج إلى وعي أكثر، لا خوف أكبر.