الرقابة على العملات المشفّرة: فرنسا تخوض معركة التمويل الخفي لمواجهة الإرهاب
لا تقتصر مكافحة الإرهاب على الميدان العسكري أو الأمني، بل تمتد اليوم إلى ساحة الاقتصاد الرقمي والتمويل اللامركزي، إذ تشهد فرنسا حراكًا تنظيميًا واسع النطاق في مجال العملات المشفّرة، لا يقتصر فقط على البُعد الاقتصادي، بل يمتد بشكل واضح إلى البعد الأمني ومكافحة تمويل الإرهاب، وذلك بالتزامن مع ازدياد استخدام العملات الرقمية من قِبل جهات غير شرعية كوسيلة لنقل الأموال بسرية وعبر الحدود.
تعكس الإجراءات الفرنسية الجارية وعيًا متزايدًا بمخاطر العملات المشفّرة من الناحية الأمنية، وبالأخص في مجال تمويل الإرهاب، ومن خلال التركيز على الامتثال، وتضييق الخناق على المنصات غير المرخصة، وتعزيز التعاون الأوروبي، تسعى باريس إلى سد الثغرات التنظيمية التي يمكن أن تُشكّل قنوات خلفية لتمويل الجماعات الإرهابية أو الشبكات الإجرامية.
تشديد الرقابة على قنوات تمويل الإرهاب
مع تصاعد الرقابة الفرنسية على منصّات التداول وفرض معايير امتثال صارمة، يبرز سؤال حاسم: بأي سبل تُستخدم العملات الرقمية فعلاً لتمويل الإرهاب؟
يخضع قطاع العملات المشفّرة في فرنسا لموجة غير مسبوقة من التدقيق والرقابة، في إطار السعي لضمان امتثال هذه المنصات للقواعد الأوروبية الجديدة، وعلى رأسها لائحة "MiCA" التي ستشكّل الإطار التنظيمي الشامل لهذا القطاع عبر الاتحاد الأوروبي.
هذه الإجراءات لا تهدف فقط إلى حماية المستثمرين، بل أيضًا إلى منع استغلال العملات الرقمية كقنوات لتمويل الجماعات الإرهابية التي تبحث دومًا عن أدوات غير تقليدية للهرب من الرقابة البنكية والتدقيق المالي التقليدي.
في هذا الصدد، كثّفت الجهات التنظيمية، وعلى رأسها هيئة الرقابة الاحترازية الفرنسية (ACPR)، عمليات التفتيش على منصّات التداول الكبرى مثل بينانس (Binance) وكوين هاوس (Coinhouse)، بهدف تعزيز الشفافية، ومكافحة غسل الأموال، والحد من المخاطر الأمنية المرتبطة بالأصول الرقمية، وعلى وجه الخصوص التضييق على أي مسارات يمكن استغلالها في تمويل الإرهاب.
وقد شرعت هيئة الرقابة الاحترازية الفرنسية في تنفيذ فحوصات ميدانية دقيقة تركز على تقييم إجراءات الامتثال وضوابط إدارة المخاطر لدى هذه المنصات منذ نهاية العام الماضي، وتشير التقارير إلى أن منصة "بينانس" تلقت طلبات واضحة من السلطات لتعزيز أنظمة الرقابة الداخلية وتوسيع فرقها المعنية بالامتثال الأمني والمالي.

إجراءات رقابية عابرة للحدود
تُعد هذه الإجراءات جزءًا من استراتيجية أوسع تسعى من خلالها فرنسا إلى تحديد الشركات التي تستوفي الشروط للحصول على ترخيص MiCA الأوروبي، الذي سيُصبح إلزاميًا بحلول يونيو 2026 لجميع مقدّمي خدمات الأصول الرقمية الراغبين في العمل داخل الاتحاد الأوروبي.
وحتى الآن، حصلت فقط شركات محدودة على هذا الترخيص، ما يعكس دقة المعايير وشدة التمحيص المطلوب. وفي موازاة ذلك، تواصل هيئة الأسواق المالية الفرنسية (AMF) حملتها ضد الكيانات غير المرخّصة، حيث أضافت خلال الأسبوع الماضي ثلاث منصّات جديدة إلى القائمة السوداء، ليرتفع عدد المواقع المحظورة منذ بداية عام 2025 إلى 22 موقعًا.
وتهدف هذه الخطوة إلى تحجيم الأنشطة غير القانونية التي قد تُستخدم كواجهات لنقل أموال مشبوهة أو تمويل نشاطات إرهابية، وذلك ضمن جهود أوسع لحماية النظام المالي وتعزيز الثقة لدى المستثمرين.كما تتجاوز فرنسا نطاقها المحلي، إذ دعا محافظ البنك المركزي، فرانسوا فيليروي دي جالهاو، إلى فرض إشراف مباشر من هيئة الأوراق المالية الأوروبية على كبرى شركات العملات المشفّرة، لضمان تطبيق موحّد للقواعد عبر الدول الأعضاء، والحد من احتمالات التلاعب أو التهرب التنظيمي بين الأسواق.
آليات استغلال العملات الرقمية في تمويل الإرهاب
تُظهر تحليلات أمنية متزايدة أن العملات الرقمية تُستخدم بعدة طرق لتمويل الإرهاب، مستفيدة من خصائصها التقنية مثل سرعة التحويل، وانخفاض كلفة المعاملات، وإمكانية العمل دون وسطاء مصرفيين.
ومن أبرز الآليات المعروفة: نشر محافظ تبرع بالبيتكوين عبر الإنترنت، استخدام منصّات تبادل (P2P) لتحويل الأموال دون رقابة، واللجوء إلى أدوات التعتيم مثل (Mixers) أو العملات التي تركز على الخصوصية مثل مونيرو، والتي تجعل تعقّب مصدر الأموال أو وجهتها شبه مستحيل.
ولا يقتصر الأمر على البنية التقنية، بل يتعداه إلى التكامل بين العالم الرقمي وشبكات الوساطة التقليدية، حيث يجري غالبًا تحويل العملات الرقمية إلى نقد عبر وسطاء محليين، مما يُخرج الأموال من فضاء الرقابة الإلكترونية.
كذلك، ظهرت طرق أكثر تعقيدًا مثل استخدام مشاريع رمزية أو عروض أولية للعملات كستار لجمع أموال بواجهات قانونية، ثم إعادة توجيهها إلى قنوات مشبوهة. وهذه الأساليب تُصعّب عمل السلطات الأمنية وتفرض تحديات جديدة تتطلب أدوات رقابية متطوّرة وتنسيقًا دوليًا فعّالًا.
من هذا المنطلق، تمثّل الإجراءات الفرنسية الحالية خطوة استراتيجية مهمة نحو تضييق الخناق على الشبكات الإرهابية التي قد تستغل نقاط الضعف التنظيمي في سوق الأصول الرقمية. ومن خلال تفعيل أنظمة الامتثال، وتوسيع قائمة المنصات المحظورة، والمطالبة بإشراف أوروبي موحّد على اللاعبين الكبار في السوق، تسعى فرنسا إلى تقليص مساحة المناورة أمام الجهات التي تستخدم العملات المشفّرة لتمويل أنشطتها.ومع دخول لائحة MiCA الأوروبية حيّز التنفيذ الكامل في 2026، يُتوقع أن يتعزز هذا المسار الرقابي ليشمل جميع دول الاتحاد الأوروبي ضمن مقاربة موحّدة للأمن المالي.
تحديات رقابية وتقنية في مواجهة تمويل الإرهاب عبر العملات الرقمية
تواجه فرنسا، إلى جانب بقية الدول الأوروبية، جملة من التحديات في سعيها للحد من استخدام العملات الرقمية في تمويل الإرهاب، أبرزها الطابع اللامركزي والتقني المعقّد لهذه الأصول، ما يجعل من الصعب تتبّع المعاملات أو ربطها بأشخاص حقيقيين دون وجود تعاون دولي واسع.
فالعملات المشفّرة لا تخضع لنظام مالي مركزي يمكن مراقبته بسهولة، كما أن كثيرًا من المعاملات تتم عبر محافظ رقمية لا تطلب إثبات هوية أو تسجيل بيانات المستخدم، ما يفتح المجال أمام استخدامها لأغراض غير قانونية دون رقابة فعّالة.
ومن التحديات البارزة أيضًا تنامي استخدام أدوات رقمية تُصعّب عملية التتبع، مثل منصّات التبادل اللامركزي (DEX)، والعملات التي تركز على الخصوصية، بالإضافة إلى خدمات الخلط (Mixers) التي تُستخدم لإخفاء مصدر الأموال ومسارها. هذه الأدوات تُضعف فعالية أدوات التحليل الجنائي التقليدي، وتُجبر الجهات الأمنية على مواكبة تقنيات أكثر تطورًا في رصد العمليات المشبوهة، مما يتطلب استثمارات كبيرة في التكنولوجيا والتدريب.
إلى جانب التحديات التقنية، تواجه فرنسا صعوبات تنظيمية وقانونية في التعامل مع منصات العملات المشفّرة العابرة للحدود، خصوصًا تلك التي تعمل دون ترخيص أو تخضع لقوانين أكثر تساهلًا في دول أخرى.كما يشكّل بطء توحيد القواعد على مستوى الاتحاد الأوروبي عائقًا أمام إنشاء إطار رقابي متكامل وفعّال.
وبينما تسعى لائحة MiCA لسد هذه الفجوة، فإن التطبيق العملي على الأرض يتطلب تنسيقًا دقيقًا بين الهيئات الوطنية والأوروبية، إضافة إلى شراكات مع القطاع الخاص، لا سيما منصّات التداول، لفرض معايير الامتثال ومنع استغلال النظام المالي الرقمي لأهداف إرهابية.



