سباق النفوذ في الكاريبي.. انقسام أمريكي وتحدٍّ فنزويلي يهددان التوازن الإقليمي
أحدثت استقالة الأدميرال ألفين هولسي، قائد القيادة الجنوبية الأمريكية، بعد أقل من عام على تعيينه، حالة من الارتباك، وذلك على خلفية تسريبات تناقلتها وسائل إعلام أمريكية عن أسباب ودوافع رحيله، مؤكدة أن القائد العسكري أبدى في اجتماعات مغلقة تحفظات على طبيعة العمليات التي تُنفذ في البحر الكاريبي، خصوصًا الغارات التي نفذتها قوات خاصة ضد قوارب يُشتبه بأنها تهرّب المخدرات قبالة السواحل الفنزويلية.

ومع استمرار التصعيد العسكري بين الولايات المتحدة وفنزويلا، وتفسير استقالة هولسي كبداية انقسام داخل البنتاجون حول السياسة الأمريكية في الخارج، حذر أعضاء في الكونجرس من أن يؤدي الفراغ الذي خلّفه قائد القيادة الجنوبية إلى ارتباك في تنفيذ العمليات، خصوصًا في ظل الحديث عن خيارات عسكرية جديدة قد تشمل توجيه ضربات داخل الأراضي الفنزويلية.

خلفية تاريخية: الصراع على الكاريبي
تضم منطقة الكاريبي جزرًا صغيرة ودولًا مطلة على البحر، كانت تاريخيًا ساحة صراع بين القوى الاستعمارية الأوروبية، ثم أصبحت جزءًا من النفوذ الأمريكي المباشر منذ الحرب الباردة، خصوصًا بعد أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962.
اليوم، يبدو أن التاريخ يعيد نفسه ولكن في سياق جديد من التنافس الأمريكي–الروسي–الصيني؛ إذ يشير التوتر الحالي إلى تحول البحر الكاريبي إلى ساحة استعراض قوة رمزية بين واشنطن وخصومها، حيث تحاول أمريكا إثبات أن الحديقة الخلفية لأمنها القومي ما زالت تحت السيطرة، بينما تسعى فنزويلا إلى كسر الطوق الأمريكي مستفيدة من الانشغال الغربي بالحرب في أوكرانيا وتنامي الدور الصيني في نصف الكرة الغربي.
وتتصاعد التحركات العسكرية والدبلوماسية للقوى الكبرى، وفي مقدمتها روسيا والصين، ما دفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في مستوى حضورها العسكري والاستخباراتي عبر تعزيز تدريباتها ومناوراتها المشتركة مع دول مجاورة مثل كولومبيا وجمهورية الدومينيكان، كما رفعت مستوى التنسيق الاستخباراتي في منطقة الكاريبي في محاولة لرصد التحركات العسكرية الروسية ومواجهة محاولات التمدد الجيوسياسي الصيني.

تحركات أمريكية محل خلاف
في واشنطن، لم يحظَ خيار التصعيد في البحر الكاريبي بإجماع داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية، وتحدثت مصادر دبلوماسية عن انقسام داخل البنتاجون بين تيار يدعو إلى إبقاء الضغط العسكري الرمزي لردع نفوذ روسيا والصين في المنطقة، وتيار آخر يحذر من أن أي مواجهة غير محسوبة مع فنزويلا قد تمنح موسكو ذريعة لتوسيع وجودها البحري قرب السواحل الأمريكية.
يبرر التيار المتحفظ وجهة نظره بأن الجيش الأمريكي مثقل أصلًا بالانتشار في أوروبا وآسيا، وأن فتح جبهة جديدة في الكاريبي سيزيد الأعباء الاستراتيجية ويخلق صورة "الاستفزاز الأمريكي" التي قد تستغلها الدعاية الروسية والإيرانية، فيما يرى الصقور في وزارة الدفاع أن التراخي أمام مادورو سيشجع خصوم واشنطن على اختبار خطوطها الحمراء في نصف الكرة الغربي.
وفي ضوء هذا الانقسام، تكمن خطورة رحيل الأدميرال ألفين هولسي؛ فهو ليس حدثًا إداريًا عاديًا، بل إشارة جديدة إلى أن المؤسسة العسكرية الأمريكية تدخل مرحلة اختبار صعبة بين الانضباط المهني والضغوط السياسية. وفي وقت تتحدث فيه الإدارة عن حماية الأمن القومي، يرى خصومها أن ما يجري في الكاريبي يعيد فتح ملف استخدام القوة خارج إطار القانون لتصفية حسابات سياسية تحت شعار مكافحة التهريب والإرهاب.
تصاعد نفوذ روسيا والصين يثير قلق واشنطن
في الأشهر الأخيرة، عززت موسكو من وجودها العسكري في البحر الكاريبي، من خلال إرسال فرقاطات وغواصات نووية رمزية إلى فنزويلا وكوبا، وعقد تدريبات بحرية مشتركة أثارت انتباه واشنطن. وتُفهم هذه التحركات على نطاق واسع كرسالة روسية بأن الكرملين قادر على نقل التصعيد إلى الساحة الأمريكية المباشرة ردًا على التوسع الغربي قرب حدود روسيا في شرق أوروبا.
بالتوازي مع التحرك العسكري، تكثف موسكو دعمها الاقتصادي والدفاعي لفنزويلا ونيكاراجوا، الحليفين التاريخيين لها في أمريكا اللاتينية، في إطار ما يبدو أنه إعادة تفعيل لمحور جيوسياسي مناهض للنفوذ الأمريكي في المنطقة.
ورغم أن الصين لم تتورط في تحركات عسكرية مباشرة على غرار روسيا، فإن وجودها في المنطقة يثير القلق في واشنطن، لا سيما بعد أن كثفت بكين من استثماراتها في البنى التحتية البحرية والموانئ الحيوية في كوبا، جامايكا وهايتي. ومن المحتمل أن يستغل الحضور الاقتصادي الكثيف في المستقبل ليكون منصة لتوسيع النفوذ العسكري أو الاستخباراتي الصيني في المنطقة.

وفيما تحاول بعض دول الكاريبي مثل ترينيداد وتوباجو وبربادوس الحفاظ على الحياد وتجنب الاصطفاف مع أي من الأطراف المتصارعة، فإن دولًا أخرى مثل فنزويلا ونيكاراجوا تدفع بعلاقاتها مع موسكو وبكين إلى مستويات استراتيجية، في خطوة تعتبر تحديًا مباشرًا للهيمنة الأمريكية التقليدية في النصف الغربي من الكرة الأرضية.

كاراكاس في مواجهة واشنطن.. من يربح المعركة؟
مع تواصل حملات الاستطلاع الأمريكية في المجال الجوي الإقليمي، وتنفيذ غارات على القوارب والسفن بزعم تهريب الكوكايين، ترى حكومة الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو أن هذه الممارسات تمثل "استفزازًا مباشرًا"، وردت عليها بتحريك زوارقها السريعة وتعزيز دفاعاتها الساحلية.
فيما تقول واشنطن إن وجودها العسكري في البحر الكاريبي دفاعي بحت لمكافحة تهريب المخدرات وردع الأنشطة الإيرانية والروسية في المنطقة، لوّحت فنزويلا بالتصعيد العسكري دفاعًا عن سيادتها الوطنية، معتبرة أن أي تحركات أمريكية قرب مياهها الإقليمية ستقابل برد غير متوقع.
ورغم محدودية قدراتها العسكرية مقارنة بالآلة الأمريكية، فإن كاراكاس تمتلك أدوات ضغط متعددة، من بينها تعزيز التعاون الدفاعي مع روسيا وإيران، وتوسيع مناوراتها البحرية، واستخدام النفط كورقة سياسية ضد المصالح الغربية.
سيناريوهات مستقبل التوتر بين أمريكا وفنزويلا
تبرز عدة سيناريوهات محتملة لمستقبل الصراع في البحر الكاريبي:
أولها: أن يظل مجرد تصعيد رمزي، بمعنى أن تواصل فنزويلا استعراض قدراتها العسكرية عبر المناورات البحرية والتعاون الدفاعي مع روسيا أو إيران دون التورط في احتكاك مباشر مع القوات الأمريكية، بهدف فرض معادلة ردع نفسي وتوجيه رسالة بأن كاراكاس ليست وحدها في المواجهة.
وفي ظل استبعاد المواجهة العسكرية المفتوحة، قد تعود الولايات المتحدة إلى تشديد الخناق الاقتصادي، سواء بإعادة فرض العقوبات على صادرات النفط الفنزويلية أو عبر الضغط على حلفائها الإقليميين لعزل حكومة مادورو سياسيًا، وفي المقابل، ستسعى فنزويلا إلى تعزيز تحالفاتها مع بكين وموسكو وتسويق نفسها كواجهة مقاومة للنفوذ الأمريكي.
كما يظل احتمال حدوث احتكاك عسكري غير مقصود قائمًا، كأن يتم اعتراض سفينة أو اختراق جوي متبادل، وهو سيناريو ثالث قد يفجّر أزمة إقليمية تتطلب تدخلًا دوليًا عاجلًا، وقد يمنح موسكو فرصة لتوسيع دورها في نصف الكرة الغربي.
وأخيرًا، في حال نجاح وساطات إقليمية، خصوصًا من دول مثل البرازيل أو المكسيك، قد تميل الأطراف إلى تخفيف التوتر عبر تسوية مرحلية: واشنطن تخفف من العقوبات مقابل التزام فنزويلي بتهدئة الأوضاع ميدانيًا وتقييد الأنشطة العسكرية المشتركة مع روسيا وإيران. ورغم هشاشة هذا السيناريو، إلا أنه يظل خيارًا مطروحًا إذا ترجحت كفة التفاوض على التصعيد.



