رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

هدنة هشة ويمين متحفز.. هل تُسقط تل أبيب اتفاق وقف إطلاق النار ؟

نتنياهو
نتنياهو

لم تمضِ أسابيع على توقيع اتفاق "شرم الشيخ" حتى عادت النيران إلى الاشتعال في قطاع غزة، وتحديدًا في مدينة رفح، حيث شنّ الجيش الإسرائيلي هجومًا جويًا استهدف مواقع بالمدينة، ما أسفر عن إصابات في صفوف قواته أيضًا، وفق ما أوردته وسائل إعلام عبرية. وتبادلت تل أبيب وحركة المقاومة الفلسطينية (حماس) الاتهامات بشأن المسؤولية عن خرق اتفاق وقف إطلاق النار، الذي تم التوصل إليه بوساطة أمريكية وعربية لوقف الحرب المدمرة على القطاع.

في الوقت الذي تُحمّل فيه إسرائيل حماس مسؤولية "خرق الهدنة" بإطلاق صواريخ مضادة للدروع تجاه معدّات هندسية في رفح، تؤكد الحركة أن الاحتلال هو من بادر بالتصعيد عبر تنفيذ غارات جوية، بذريعة مواجهة "عصابات محلية مسلحة" مدعومة من تل أبيب، أبرزها ما يُعرف بميليشيا "ياسر أبو الشباب".

وترى الحركة أن ما يجري في رفح هو "شأن داخلي" يستهدف حفظ الأمن وملاحقة متعاونين مع الاحتلال، بينما تصرّ إسرائيل على تصوير تلك العمليات كتهديد مباشر لقواتها، لتبرير استمرار هجماتها الجوية في القطاع. وبين الروايتين، تبدو رفح مجددًا ساحة لتصفية الحسابات السياسية والأمنية، في ظل هشاشة اتفاق وقف إطلاق النار.

الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة- أرشيفية
الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة- أرشيفية

مناورة نتنياهو بين الداخل والاتفاق

في خلفية المشهد، يتحرك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في مساحة ضيقة بين ضغوط اليمين المتطرف داخل حكومته، والتزامات اتفاق "شرم الشيخ" الذي رعته واشنطن، في محاولة متكررة منه لتفادي خسائر سياسية قد تُضعف ائتلافه الهشّ.

فبعد اجتماعات أمنية مكثفة مع كبار قادة المؤسسة العسكرية، أكد نتنياهو أن إسرائيل "لن تتهاون مع أي اعتداء على قواتها"، ملوّحًا بإمكانية الرد "الحازم" دون المساس بالاتفاق. غير أن الهجمات الجوية التي شنّها الجيش الإسرائيلي على رفح وجباليا ودير البلح تعكس تناقضًا بين أقواله وأفعاله، وتكشف عن مساعٍ لاحتواء تمرد وزراء اليمين المتطرف، الذين يرون في اتفاق وقف النار "خيانة لمبادئ المشروع الصهيوني" وفرصة ضائعة لاستكمال السيطرة على غزة.

اليمين الإسرائيلي -أرشيفية
اليمين الإسرائيلي -أرشيفية

اليمين الإسرائيلي.. رفض دائم للسلام

تتنامى الأصوات داخل معسكر اليمين الإسرائيلي الرافضة لأي شكل من أشكال الهدنة أو التسوية، إذ يرى قادته أن الانسحاب من غزة كان "خطيئة تاريخية"، وأن العودة إليها ضرورة استراتيجية لضمان "أمن إسرائيل". وقد عبّر وزير الزراعة من حزب الليكود، آفي ديختر، عن هذا التوجه حين دعا إلى "احتلال غزة مجددًا باعتبارها مفتاح السيطرة على القطاع".

أما وزير الطاقة، إيلي كوهين، فاعتبر أن "حماس لن تتخلى عن سلاحها طوعًا، ولا بد من إجبارها بالقوة"، وهي التصريحات التي يلمّح إليها نتنياهو نفسه في خطاباته الموجهة للداخل الإسرائيلي، كجزء من رسائل تطمين للتيار اليميني المتطرف الذي يهدد بفضّ الائتلاف إذا استمر الالتزام بالاتفاق.

تلك المواقف تكشف أن معركة نتنياهو الحقيقية لم تعد في غزة، بل داخل حكومته. فهو بين مطرقة اليمين الذي يطالبه بالحرب، وسندان واشنطن التي تضغط للحفاظ على الهدنة كإنجاز دبلوماسي يحسب للرئيس ترامب، الذي أعلن صراحة أن "الحرب انتهت".

واشنطن تضغط وتل أبيب تناور

يرتبط اتفاق "شرم الشيخ" ارتباطًا وثيقًا بالإرادة الأمريكية، إذ لم يكن ليرى النور لولا الضغوط المباشرة التي مارسها البيت الأبيض على الحكومة الإسرائيلية. وتشير مصادر دبلوماسية إلى أن واشنطن تتابع عن كثب تنفيذ بنود الاتفاق، حيث يستعد نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس والمبعوث الرئاسي جاريد كوشنر لزيارة تل أبيب لمطالبة نتنياهو بالالتزام الكامل بتعهداته.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي قدّم نفسه كمهندس لوقف الحرب، يرفض علنًا أي خرق من جانب إسرائيل، وعبّر عن استيائه من قرار إغلاق معبر رفح، واعتبره "مخالفة صريحة لروح الاتفاق". إلا أن تل أبيب لا تزال تراهن على مناورة سياسية تتيح لها الحفاظ على الحد الأدنى من التزاماتها، مع الإبقاء على حرية الحركة العسكرية في القطاع.

اتفاق على الورق أم سلام مستحيل؟

الواقع الميداني يكشف أن اتفاق "شرم الشيخ" يواجه اختبارًا صعبًا؛ فبينما تؤكد واشنطن والحلفاء العرب أن وقف الحرب نهائي ولا رجعة فيه، تستمر إسرائيل في شنّ هجمات "نوعية" بذريعة ملاحقة "أهداف إرهابية". وتبدو الاستراتيجية الإسرائيلية أقرب إلى نموذج "اللبننة"، أي الإبقاء على وجود أمني مرن في مناطق مختارة داخل القطاع، يسمح لها بالتحرك متى شاءت، من دون إعلان رسمي عن الاحتلال.

هذا السيناريو، وإن حافظ على صورة السلام أمام العالم، إلا أنه يُبقي جذوة الحرب مشتعلة تحت الرماد. فاستمرار الانتهاكات الجوية، وإغلاق المعابر، ورفض إعادة الإعمار، كلها مؤشرات على أن تل أبيب تتعامل مع الاتفاق كهدنة مؤقتة وليست التزامًا استراتيجيًا.

حركة المقاومة الإسلامية حماس -أرشيفية
حركة المقاومة الإسلامية حماس -أرشيفية

بين واشنطن وغزة.. خيارات نتنياهو الصعبة

في نهاية المطاف، يبدو أن مصير اتفاق "شرم الشيخ" سيُحسم داخل أروقة السياسة الإسرائيلية لا في ميادين القتال. فنتنياهو الذي يواجه معارضة داخلية متصاعدة، واتهامات بالفساد، يدرك أن بقاءه في الحكم مرهون بإرضاء شركائه في اليمين المتطرف من جهة، وبالاحتفاظ بدعم واشنطن من جهة أخرى. لكنّ استمرار التناقض بين خطاب الهدنة وممارسات التصعيد قد يدفع الولايات المتحدة إلى إعادة النظر في موقفها، وقد يفجّر أزمة ثقة بين الجانبين. في المقابل، تراهن حماس على أن الوقت كفيل بإسقاط الاتفاق، أو على الأقل تحويله إلى التزام شكلي لا يغير شيئًا في واقع الحصار والمعاناة اليومية لسكان القطاع.

ختامًا:

يقف اتفاق "شرم الشيخ" اليوم على مفترق طرق بين الهدنة والانهيار. فاليمين الإسرائيلي لا يرى في السلام إلا هزيمة مؤجلة، ونتنياهو يستثمر الهدنة كأداة لإدارة أزماته لا لحلها. وبين ضغط واشنطن وصبر غزة، يتشكل مشهد إقليمي هشّ، يُخشى أن يكون عنوان مرحلته القادمة: سلام بلا استقرار، وهدنة على حافة الحرب.

شيماء حسن*  

 باحث دكتوراة متخصصة في الشأن الإفريقي 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء