رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت
عمرو فاروق- باحث
عمرو فاروق- باحث في شؤون الجماعات الأصولية والأمن الإقليمي

مع الاحتفال كل عام، بمولد السيد أحمد البدوي في مدينة طنطا، تتجدد حالة الجدل بين أنصار الطرق الصوفية ودعاة التيارات السلفية، النقاش لا يبدو هذه المرة حول طقوس الموالد أو مظاهر الاحتفال بقدر ما هو صراع على هوية الدين في المجال العام، ومن يمتلك الحق في تمثيله أمام الناس.

فبينما يرى الصوفيون في التصوف امتدادًا للروح المصرية المتسامحة، يصر السلفيون على إعادة تعريف الدين وفق مقاييس النص الحرفي والرؤية المتشددة التي لا تقبل الخلاف أو التعدد. 

هذا الجدل القديم الجديد يعكس تحولًا في خريطة التدين المصري، بعد أن تراجع نفوذ الخطاب السلفي لصالح مدرسة الأزهر والصوفية العلمية التي استعادت جزءًا من حضورها الإعلامي والروحي، بدعم من مؤسسات الدولة وسعيها لإعادة بناء الخطاب الديني على أسس الاعتدال والعقلانية.

إرث صوفي 

تاريخيًا، ارتبطت الطرق الصوفية في مصر ارتباطًا وثيقًا بالنسيج الاجتماعي والديني، منذ العصور المملوكية والعثمانية، حين كانت الزوايا والمقامات مراكز إشعاع روحي وتعليمي، وأدّت دورًا مركزيًا في ضبط إيقاع التدين الشعبي. وحافظت على توازنٍ روحي ساعد المجتمع على امتصاص التحولات الكبرى، من الاستعمار إلى قيام الدولة الحديثة.

لكن مع صعود تيارات الإسلام الحركي في النصف الثاني من القرن العشرين، خاصة بعد هزيمة 1967، بدأ هذا الإرث يتعرض لاهتزاز واضح، نتيجة ظهور وتمدد التيارات السلفية التقليدية، المدعومة من المؤسسات الخليجية، لتطرح نموذجًا جديدًا للتدين يقوم على النصية والتشدد في الممارسة، ويصطدم مباشرة بالتقاليد الدينية المتوارثة.

وبينما كانت الصوفية تمثل التدين الشعبي الهادئ، جاءت السلفية بخطاب يضعها في خانة "الانحراف العقدي"، معتبرة أن الموالد والكرامات والتوسل "شركيات"، ومنذ السبعينيات ومع توسع وانتشار التيارات السلفية في الجامعات والمساجد، وجدت الصوفية نفسها في موقع دفاعي داخل المجال الديني المصري.

التحول الكبير  

شهدت السبعينيات لحظة انتقالية فارقة؛ فمع سياسة "الانفتاح" وعودة العمالة المصرية من الخليج، عادت أفكار الوهابية لتجد بيئة خصبة في مجتمع يبحث عن مرجعية جديدة بعد تراجع الناصرية وهزيمة المشروع القومي الناصري، وفي الوقت ذاته، حاول الرئيس أنور السادات توظيف السلفيين والإخوان في مواجهة التيار اليساري، ففتح المجال العام أمام الخطاب الديني السلفي على حساب الخطاب الصوفي التقليدي.

تراجعت الصوفية في تلك المرحلة إلى الهامش، بعدما كانت جزءًا من المشهد الرسمي عبر المجلس الأعلى للطرق الصوفية، بينما تمددت التيارات السلفية في المساجد والزوايا الصغيرة ومراكز التعليم الديني غير الرسمي. ومع اتساع الفضائيات الدينية في بداية التسعينيات وما تلاها، تحوّل الخطاب السلفي إلى ظاهرة جماهيرية، فغدت أسماء الدعاة السلفيين رموزًا شعبية، بينما بدت الطرق الصوفية حبيسة الماضي، عاجزة عن مواكبة إيقاع العصر.

أعادت أحداث يناير 2011 تشكيل الخريطة الدينية في مصر، فخرجت الصوفية من عزلتها التاريخية وأعلنت لأول مرة موقفًا سياسيًا صريحًا دفاعًا عن الهوية الدينية الوسطية، في مواجهة التيارات السلفية المتشددة التي دخلت المشهد السياسي بقوة عبر تأسيس الأحزاب السياسية ذات المرجعية الدينية مثل حزب النور.

الصوفية العلمية

لم يكن الصراع بين الطرفين مجرد خلاف لاهوتي، بل تنافس على من يحتكر تعريف الإسلام المصري، فالصوفيون يرون في أنفسهم الامتداد الطبيعي لتدين المصريين المتسامح، بينما اعتبر السلفيون أنهم الممثل الشرعي "للإسلام" الذي يجب أن يطهّر المجتمع في نظرة استعلائية اصطفائية.

منذ عام 2014، وعقب سقوط الإسلام السياسي متمثلا في حكم الإخوان، بدأت الدولة المصرية في إعادة رسم المجال الديني تحت مظلة "تجديد الخطاب الديني"، وبرزت مؤسسة الأزهر والأوقاف كأدوات رئيسية في ضبط دولة المنابر، وفي ظل هذا المشروع، جرى تقديم الصوفية العملية المتشرعة كرمز للوسطية والاستقرار الروحي، في مقابل تهميش الخطاب السلفي الذي صار يُنظر إليه بوصفه بيئة حاضنة للتشدد.

لم يكن هذا التوجه عشوائيًا؛ فالدولة التي تواجه تحديات الإرهاب والتطرف أدركت أن التصوف يملك رصيدًا اجتماعيًا عميقًا في الشارع، يمكن توظيفه لمواجهة العنف باسم الدين. فتم دعم نشاط الطرق الصوفية إعلاميًا، وسمح لشيوخها بالظهور في وسائل الإعلام كرموز للسلام والتسامح.

الروح أم النص؟

ورغم هذا التحول، لم يختفِ الخطاب السلفي تمامًا، بل استمر في الانتشار عبر المنصات الرقمية وشبكات التعليم غير الرسمي. ولا تزال الفجوة الفكرية بين الطرفين قائمة: فالصوفيون يؤمنون بأن الدين تجربة روحية وممارسة تربوية قائمة على الحب والذكر والسلوك، في حين يتمسك السلفيون بفكرة أن الدين "نص وسلوك"، لا مجال فيه للتجربة الوجدانية أو الوساطة الروحية.

تجلى هذا الانقسام في الخطاب الإعلامي، فبينما يحتفي الإعلام الرسمي بمواسم الموالد ويبرز رمزية التصوف في "تديّن المصريين"، تواصل المنصات السلفية حملتها في مهاجمة التصوف، مما يعمّق الفجوة في المخيال الجمعي للمجتمع المصري حول معنى التدين الصحيح .

الهوية الدينية

لم يعد السؤال اليوم حول من ينتصر في الصراع بين التصوف والسلفية، بل كيف تُعاد صياغة الهوية الدينية المصرية نفسها. فالمجتمع الذي عاش توترًا سياسيًا ودينيًا، مازال يبحث عن توازن جديد بين الروح والعقل، بين التدين الشعبي وتدين النص.

في هذا الإطار، تعمل الدولة المصرية على تعزيز مفهوم "الهوية الوطنية" التي تجعل من الأزهر المرجعية العليا، وتقدّم الصوفية العلمية الشرعية، بوصفها التعبير الأصيل عن التدين المصري في مواجهة ما يُعدّ "اختراقات فكرية وافدة"، ومن ثم في إطار مشروع "الجمهورية الجديدة"، يبدو أن الدولة المصرية اختارت رسميًا النموذج الأشعري الصوفي كمرجعية دينية وثقافية، في مواجهة الخطابات التكفيرية والسلفية.

 هذا الخيار لم يكن دينيًا بحتًا، بل سياسيًا وثقافيًا، هدفه ترسيخ نموذج إسلامي وطني متسامح يعكس روح الدولة الحديثة ويمنع عودة الإسلام السياسي بصوره المختلفة، وبينما تواصل المؤسسات الدينية حملتها لتجديد الخطاب الديني، تسعى الدولة إلى تحويل هذه الرؤية إلى مشروع وطني للهوية، بحيث يصبح الدين عامل وحدة لا أداة استقطاب.

بين الروح والعقل

تعيش مصر اليوم لحظة إعادة تعريف شاملة لهويتها الدينية، في عالم تتغير فيه مصادر التأثير من المسجد إلى الشاشة، ومن الزاوية إلى المنصة الرقمية. وبينما تحاول الدولة أن تصوغ "تدينًا رسميًا" يوازن بين الانضباط والروحانية، تظل العلاقة بين التصوف والسلفية مفتاحًا لفهم التحولات العميقة في الوجدان المصري.

فالهوية الدينية ليست مجرد انعكاس للعقيدة، بل هي نتاج لتاريخ طويل من التفاعل بين النص والواقع، بين السلطة والمجتمع، بين ما هو مقدس وما هو إنساني، وفي وسط هذا التفاعل، تبدو مصر دائمًا ساحة مفتوحة لاختبار جدلية الإيمان والعقل، حيث يتقاطع الذكر مع الخطبة، وتتنازع المنابر والزوايا على من يحتكر روح الدين ويمثل وجدان الأمة.

أزمة الاحتفال بمولد السيد البدوي ليست مجرد سجال فقهي حول "البدعة والسنة"، بل نقطة تماسّ بين مدرستين في فهم الإسلام:مدرسة ترى الدين كحياة ممتدة بالرحمة والمحبة والجمال، وأخرى تراه نصًا مغلقًا يجب إخضاعه للتقعيد والرقابة.

 وفي النهاية، يظل المولد البدوي تعبيرًا عن الوجه الشعبي والروحي لمصر، الذي قاوم كل محاولات التشدّد والطمس، وبقي على حاله قرونًا يوزّع البهجة والسكينة على الناس في زمنٍ باتت فيه الحاجة إلى "الفرح الروحي" أعمق من أي وقت مضى.

عمرو فاروق*

كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء