الإعدامات العلنية التي نفذتها حركة حماس تكشف بوضوح أن الحركة ليست مجرد حاكمٍ للقطاع، بل مالكٌ له، ولِمَن فيه وما عليه. والذين هللوا لهذه الجريمة الإنسانية ينتمون، هم وذووهم، إلى الحركة فكريًا أو تنظيميًا أو أيديولوجيًا.
كان الأجدر بقيادة حماس أن تلقي القبض على هذه العناصر التي تتهمها بالعمالة للكيان الصهيوني، وأن تقوم بتسليمها إلى السلطة الفلسطينية باعتبارها الممثل الرسمي الحالي للدولة الفلسطينية، أو أن تحتفظ بهم – كما فعلت مع الرهائن الإسرائيليين – إلى حين تشكيل لجنة جديدة لإدارة القطاع وفق الضمانات الدولية، للنظر في محاكمتهم قضائيًا بتهمة الخيانة، استنادًا إلى أدلة شرعية وجنائية واضحة.
ما فعلته حماس ليس سوى تطبيق عملي لقانون الغاب، وممارسة فعلية للفوضى وتصفية الحسابات بين العائلات تحت شعار "تطهير المجتمع"، واستكمال لمظاهر البلطجة تحت ستار "حماية الشارع الفلسطيني"، الذي زجت به في غياهب الدمار والخراب والتجويع.
والآن، تعود حماس لتتقمص دور الفضيلة، رغم كونها متهمةً بالخيانة والعمالة بالوكالة لصالح الجانب الإيراني، في صناعة مشاهد السابع من أكتوبر لتبرير تصفية القضية الفلسطينية وتمرير مشروع التهجير، الذي كان سيتقدم بخطى ثابتة لولا القرار المصري الذي وقف وحيدًا في معركة خاضها أمام تراجع الموقف العربي، بعد انحياز غالبيته لمصالحه الخاصة في إطار "اتفاقيات أبراهام" والتطبيع الإسرائيلي.
شكلت الإعدامات الأخيرة على المستوى الداخلي صدمةً للمجتمع الغزّي، لا سيما أنها جرت في ميادين عامة وأمام عدسات الإعلام المحلي، ما حولها إلى أداة ترهيب جماعي أكثر منها إجراءً عقابيًا بهدف ترسيخ ثقافة الخضوع وإعادة إنتاج الخوف الجمعي، في وقت يعاني فيه المواطن الفلسطيني من أزمات اقتصادية ومعيشية خانقة. ومن ثم، فهذه الإعدامات ليست مجرد "ردعٍ للعمالة" كما تدّعي حماس، بل إعادة تشكيل للوعي الجمعي تحت منطق القوة المطلقة.
حركة حماس لا يعنيها من قريب أو بعيد الشارع الفلسطيني، لكنها تضع في مقدمة أولوياتها مصالحها المرتبطة بالقوى الإقليمية والدولية، وتنصاع لأجندة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان. فهذه المشاهد الإجرامية في ذاتها ليست مجرد واقعة جنائية معزولة، بل رسالة سياسية مركبة تعكس ثلاثية السيطرة والخوف والانقسام. فمن جهة، سعت إلى تأكيد سيادتها المطلقة على القطاع باعتبارها "المالك"، ومن جهة أخرى، عملت على ترويع المجتمع المحلي لضمان الولاء، فضلًا عن توجيه رسالة إلى الوسطاء الدوليين مفادها أن الحركة لا تزال تمسك بخيوط المشهد الأمني والعسكري رغم حالة الإنهاك الشعبي والإنساني.
الجرائم التي نُفذت ضد المدنيين بهذا الشكل – حتى وإن ثبتت إدانتهم، في ظل غياب المحاكمة القضائية – ستتحول إلى مادة إعلامية تُستغل في الخطاب الدولي لتبرير حماية إسرائيل وأمنها القومي، ومنحها الذريعة لإفشال المفاوضات التي قادها الجانب المصري وعدد من الدول الراعية في شرم الشيخ، وخاصة البنود المتعلقة بنزع سلاح المقاومة أو تجميده، والموقف من مشاركة حماس في التشكيل الإداري لقطاع غزة خلال المرحلة الثانية من المفاوضات الجارية.
وفقًا للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف الرابعة، تُعد الإعدامات العلنية خارج نطاق القضاء انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان، وخرقًا لمبادئ العدالة الإجرائية التي تكفل حق الدفاع والمحاكمة العادلة، فضلًا عن أن قطاع غزة لا يتمتع باعتراف دولي ككيان سيادي مستقل، ومن ثم فإن تنفيذ حماس لأحكام الإعدام يمثل تعديًا على الولاية القضائية للسلطة الفلسطينية، الممثل الرسمي للشعب الفلسطيني.
استمرار حماس في نهجها يضع القاهرة في النهاية أمام معادلة صعبة: فإما التعامل مع سلطة أمر واقع تمارس الانتهاكات باسم المقاومة، وإما الدخول في صدام سياسي مباشر مع الحركة. ومن ثم، فإن سلوك وتوجهات الحركة بهذا الشكل لا يمثل تحديًا داخليًا فحسب، بل تهديدًا مباشرًا لمعادلة الأمن الإقليمي التي تسعى مصر إلى تثبيتها منذ سنوات، فضلًا عن أن التوقيت المتزامن مع مفاوضات شرم الشيخ لم يكن مصادفة، بل يمكن تفسيره كمحاولة من حماس لخلط الأوراق، وفرض معادلة جديدة تضعها في موقع "السلطة التي لا يمكن تجاوزها"، حتى ولو كان ذلك على حساب الدم الفلسطيني نفسه.
كما أن إصرارها على احتكار السلطة يعقّد فرص المصالحة الوطنية، ويقوّض مساعي تشكيل إدارة مدنية تحت إشراف دولي أو عربي لإعادة إعمار القطاع. وبالتالي، فإن حماس تدفع غزة إلى مزيد من العزلة السياسية والإنسانية، في لحظة تاريخية تتطلب أعلى درجات الحكمة والبراغماتية للحفاظ على ما تبقى من القضية الفلسطينية.

