أثار استخدام الرئيس عبد الفتاح السيسي لوصف "رئيس الجمهورية المصرية" بدلًا من الصيغة التقليدية "رئيس جمهورية مصر العربية" أثناء توقيع اتفاقية السلام بشرم الشيخ، تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت القاهرة بصدد إعادة تعريف موقعها وهويتها السياسية إقليميًا، أم أن الأمر مجرد تغيير بروتوكولي عابر لا يتجاوز الدلالة الشكلية.
غير أن قراءة هذا التحول في سياق التطورات الإقليمية والدبلوماسية الأخيرة، تبرز دلالات سياسية ورمزية عميقة تتجاوز اللغة إلى جوهر الرؤية المصرية الجديدة، حول علاقاتها الدولية وهويتها الوطنية.
تاريخيًا، ارتبطت مصر منذ خمسينيات القرن الماضي بمفهوم "العروبة" كمنظور سياسي تبناه الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، والذي جعل من القاهرة مركزًا للحركة القومية ومشروعًا للوحدة العربية، لكن عمليا انتهت هذه المرحلة الزمنية بكل ما تحمله من رمزية تاريخية، لا سيما عقب تحولات ما بعد حرب 1967، ثم تبددت واقعيًا بعد توقيع اتفاقية "كامب ديفيد" عام 1979، التي رسّخت مبدأ الهوية الوطنية المصرية المستقلة عن المشاريع فوق القومية، وفي ظل المتغيرات الأنية على الساحة الدولية والإقليمية، فإن مفهوم القومية العربية تفكك تدريجيا ولم يعد يمثل ثابتا في إطار تغيير موازين القوى وتحالفاتها الإقليمية والعربية، المنطوية على المصلحة الذاتية.
ومن ثم يعكس استخدام الرئيس عبد الفتاح السيسي لمصطلح "الجمهورية المصرية"، إعادة تموضع للخطاب الرسمي والرئاسي ضمن مسار تاريخي، يبرز أن "الدولة المصرية الجديدة" لم تعد ترى نفسها ممثلًا أو وصيًا على النظام العربي، بل دولة ذات سيادة ومصالح وطنية محددة، تنفتح على الجميع من موقع الدور السياسي لا من موقع الانتماء الأيديولوجي.
اختيار هذا الوصف لم يأتِ في فراغ، فوثيقة "السلام" التي وُقّعت في شرم الشيخ تحمل طابعًا دوليًا بحتًا، إذ شاركت فيها الولايات المتحدة وقطر وتركيا إلى جانب مصر، بينما غابت عنها الأطراف المباشرة في الصراع، أي إسرائيل وحركة حماس، ومن ثم فاستخدام تعبير "الجمهورية المصرية" يتناسب مع الطابع الدولي للاتفاق، ويعكس رغبة القاهرة في تأكيد أنها تتحدث باسم "الدولة المصرية" لا باسم النظام العربي، فضلا عن أن هذا التوصيف يتلاقى مع طرح حول ما يسمى بـ "نظام الإدارة الإقليمي حول غزة"، المعني بإدارة ملف قطاع غزة ونقله من دائرة الاحتلال الإسرائيلي إلى إطار دولي متعدد الضامنين، تتصدره القاهرة من موقعها كقوة إقليمية.
يتقاطع هذا التحول اللغوي مع مفهوم "الجمهورية الجديدة" الذي تبنّاه الخطاب السياسي المصري منذ عام 2021. ففي ظل محاولة إعادة تعريف العلاقة وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عقب سقوط حكم جماعة الإخوان وتداعيات مرحلة مكافحة جماعات الإرهاب والتطرف، من خلال إعادة بلورة ملامح الهوية الوطنية المصرية، فضلا عن استقلاليتها، وانفتاحها على محيطها الإقليمي من موقع الحفاظ على محددات الأمن القومي المصري.
اللافت أن هذا النهج ينسجم مع الدبلوماسية المصرية الحديثة التي تحاول الموازنة بين العلاقات مع القوى العربية والخليجية من جهة، والحفاظ على علاقات استراتيجية مع واشنطن وموسكو وبكين من جهة أخرى، دون الانحياز الكامل لأي محور.
وهو ما يجعل توظيف مصطلح "الجمهورية المصرية" انعكاسًا لسياسة واقعية جديدة ترى في مصر مركز ثقل قائم بذاته، لا مجرد جزء من منظومة القومية العربية ومؤثراتها السياسية والفكرية.
هذا التحول لا يعني أن مصر تتخلى عن انتمائها العربي أو تتنكر له، بقدر ما يعني أنها تسعى إلى الانتقال بمصطلح "العروبة" من الإطار السياسي إلى ساحة الفضاء الثقافي والإنساني، في إطار الحفاظ على مصالحها الوطنية أولًا، في ضوء المتغيرات التي شهدتها المنطقة العربية من تفكك وتراجع سياسيًا وعسكريًا، ما يعني أن مفهوم "العروبة" لم يلغَ من القاموس السياسة المصرية لكن من الواضح أنه يعاد استخدامه وفق موقعه الطبيعي كإطار للتقارب الثقافي والتاريخي، لا كمنظومة إلزامية تحدد التوجهات السياسية إقليميًا ودوليًا.
ومن ثم توقيع الرئيس السيسي على الاتفاق بصفته "رئيس الجمهورية المصرية" ليس مجرد تفصيل بروتوكولي، بل دلالة سياسية، محملة بروح ورؤية "الجمهورية الجديدة" ومعبرة عن مسار إعادة بناء الدولة الوطنية، وفق محددات الأمن القومي المصري ومصالحه الذاتية.
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي