دراسة تزعم: الذكاء يصل ذروته منتصف الخمسينات
حين ننظر إلى وجوه الكبار، يمكن أن نرى التجاعيد كعلامة على مرور الزمن، لكن خلفها تختبئ طبقات أعمق من الذكاء والخبرة.
فبينما يظن البعض أن العمر يسلب الإنسان قدراته الذهنية، تكشف الأبحاث أن العقل لا يبهت مع السنين بقدر ما يتحول فالتجربة تهذب التفكير، والمواقف تصقل الحكمة، ويمتزج في منتصف العمر مزيج نادر من الفهم العميق والاتزان العاطفي يجعل الإنسان أكثر قدرة على اتخاذ القرار وأقرب إلى جوهر الذكاء الحقيقي.
نشرت دراسة في مجلة Intelligence، وأجراها فريق بحثي بقيادة المشارك جيل إي. جينياك من جامعة غرب أستراليا، حاولت رسم خريطة دقيقة لمسار الذكاء الإنساني عبر مراحل العمر، وهدف الفريق كان معرفة متى يبلغ الإنسان ذروة قدراته من حيث التفكير والاستقرار العاطفي والقيادة.
متى تكون الذروة الحقيقية؟
أظهرت دراسات سابقة أن اللياقة البدنية تبلغ قمتها في منتصف العشرينات إلى أوائل الثلاثينات، بينما تبدأ القدرات العقلية الأولية مثل سرعة المعالجة والذاكرة في التراجع تدريجياً من منتصف العشرينات فصاعداً، ويتجلى ذلك في العالم الواقعي حيث يحقق الرياضيون إنجازاتهم الكبرى قبل الثلاثين، ويقدم علماء الرياضيات أبرز أعمالهم في منتصف الثلاثينات، ويبلغ أبطال الشطرنج قمة أدائهم قبل الأربعين.
لكن عندما ننظر إلى مستويات أعمق من الذكاء، كالنضج النفسي والقدرة على الحكم والقيادة، تتبدل الصورة كلياً.
كما اعتمدت الدراسة على تحليل 16 بُعداً نفسياً يمكن قياسها بدقة، من القدرات المعرفية الأساسية مثل التفكير وسرعة المعالجة وسعة الذاكرة والمعرفة، إلى الذكاء العاطفي و"السمات الخمس الكبرى" للشخصية ومن ضمنها: الانبساط، الاستقرار العاطفي، الضمير الحي والانفتاح على التجارب، والقبول، ودمج الباحثون نتائج دراسات واسعة النطاق ضمن مقياس موحد، لرسم منحنى يوضح كيف يتطور الذكاء والسمات النفسية على مدار العمر.
وفاجأت النتائج كثيرين، إذ تبين أن عدداً من السمات لا تبلغ ذروتها في الشباب كما يُعتقد، بل في مراحل لاحقة من الحياة، فقد وُجد أن الضمير الحي يصل إلى أعلى مستوياته نحو سن الخامسة والستين، بينما يبلغ الاستقرار العاطفي ذروته في منتصف السبعينات، كما أظهرت النتائج أن التفكير الأخلاقي والقدرة على مقاومة التحيزات الإدراكية وهما مكونان أساسيان من مكونات الذكاء المتزن يستمران في التحسن حتى السبعينات والثمانينات من العمر.
متى يبلغ الذكاء قمته الشاملة؟
عند دمج المسارات المرتبطة بالعمر لكل الأبعاد النفسية، لاحظ الباحثون أن الأداء العقلي العام يبلغ قمته بين منتصف الخمسينات وبداية الستينات، وذلك قبل أن يبدأ بالتراجع التدريجي بعدها، وفي تلك المرحلة يجمع الإنسان بين الخبرة والاستقرار والقدرة على اتخاذ قرارات معقدة، وهي سمات تعد من أرقى تجليات الذكاء الناضج.
تدعو نتائج الدراسة إلى إعادة النظر في الفرضيات التقليدية التي تربط التقدم في السن بتراجع القدرات العقلية فالمؤسسات، بحسب الباحثين، ينبغي أن تركزعلى الكفاءة الفعلية لا على العمر الزمني، لأن الذكاء الحقيقي لا يُقاس بعدد السنوات، بل بنوعية الخبرة والقدرة على التفكير المتزن.
وقدم تاريخياً، كثير من المبدعين والعلماء أعظم إنجازاتهم في منتصف العمر، إذ نشر تشارلز داروين نشر كتاب أصل الأنواع في سن الخمسين، وبيتهوفن ألّف سيمفونيته التاسعة وهو في الثالثة والخمسين، بينما قادت ليزا سو البالغة من العمر 55 عاماً شركة Advanced Micro Devices نحو أحد أكبر التحولات التقنية في تاريخها.
وتؤكد هذه الأمثلة، كما خلصت الدراسة، أن منتصف العمر ليس بداية العد التنازلي كما يُشاع، بل ذروة الذكاء والنضج العقلي والإنجاز الإنساني.

