العطش الرقمي.. مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي تهدد أمن أوروبا المائي
في الوقت الذي تطمح فيه أوروبا لتكون قوة عالمية رائدة في مجال الذكاء الاصطناعي، يبرز تحدي بيئي يهدد هذا الطموح خاصة مخاطر ندرة المياه.
ووتسعى المفوضية الأوروبية إلى توسيع سعة مراكز البيانات لثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، ما ينذر بتزايد الضغوط على الموارد المائية، خاصة في مناطق جنوب أوروبا التي تعاني أساسًا من إجهاد مائي دائم.
الذكاء الاصطناعي يستهلك الماء بصمت
تتطلب مراكز البيانات كميات كبيرة من المياه لتبريد الخوادم والحفاظ على تشغيلها بكفاءة، وهو ما يُطلق عليه بعض الخبراء اسم "العطش الرقمي".
ومع ازدياد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في مختلف القطاعات، تتزايد الحاجة إلى البنية التحتية الرقمية، وبالتالي إلى موارد المياه والطاقة.
ويحذر خبراء، من بينهم البروفيسور كيفن غريكس من جامعة أوكسفورد، من أن بناء مراكز البيانات في مناطق تعاني من شحّ المياه كإسبانيا واليونان يعكس انعدام التخطيط البيئي المتكامل، خاصة في ظل سعي الحكومات المحلية لجذب هذه الاستثمارات كوسيلة لخلق فرص العمل دون النظر إلى التداعيات البيئية.
مقاومة محلية في وجه عمالقة التكنولوجيا
وفي إقليم أراجون الإسباني، واجهت خطط "أمازون" لبناء مراكز بيانات معارضة شديدة من المجتمعات الزراعية، وسط مخاوف من أن تؤدي هذه المشاريع إلى استنزاف حصصهم المائية.
وفي بريطانيا، أُثير الجدل حول اختيار قرية "كولهام" كموقع لمشروع ضخم للذكاء الاصطناعي بالقرب من خزان المياه الأول الذي يُبنى في البلاد منذ 30 عامًا، مما أعاد تسليط الضوء على تعارض المصالح بين النمو الرقمي والحفاظ على الموارد الحيوية.
الحوسبة الخضراء... هل تكفي لتقليل التأثير البيئي؟
وتحاول المفوضية الأوروبية تهدئة المخاوف من خلال التأكيد على توجهها نحو ما تسميه "الحوسبة المستدامة"، مشيرة إلى نماذج مثل حاسوب "JUPITER" العملاق في ألمانيا الذي يعمل بالطاقة المتجددة ويعيد استخدام الحرارة الناتجة عنه.
كما تسعى بعض الشركات إلى حلول مبتكرة، فـ"مايكروسوفت" تختبر أنظمة تبريد خالية من الماء، بينما تعتمد منشأة "Start Campus" في البرتغال على مياه البحر المُحلّاة والمعاد تدويرها لتشغيل مراكز البيانات.
إلا أن الخبراء يؤكدون أن المشكلة أعمق من مجرد المياه المستخدمة في التبريد، إذ أن أكثر من نصف البصمة المائية لمراكز البيانات ناتجة عن سلاسل التوريد، مثل إنتاج الطاقة وتصنيع الشرائح الإلكترونية.
الوجه الآخر للتحول الرقمي
رغم المخاوف البيئية، لا يمكن تجاهل أن مراكز البيانات تشكّل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي الحديث، إذ تُسهِم في توليد تريليونات الدولارات وتوفير ملايين الوظائف.
لكن هذه المكاسب تأتي بثمن بيئي باهظ، ما دفع دولاً مثل هولندا وإيرلندا إلى فرض قيود على بناء منشآت بيانات جديدة بسبب الضغط على البنية التحتية ونقص موارد الطاقة والماء.
العطش الرقمي: أزمة تلوح في الأفق
تشير تقديرات وكالة البيئة الأوروبية إلى أن ثلث سكان القارة يعيشون في مناطق تعاني من ضغط مائي كبير، وهو رقم مرشّح للارتفاع في ظل توسع الصناعات التقنية المعتمدة على الماء.
ومع استمرار سباق الذكاء الاصطناعي حول العالم، تبدو أوروبا في مواجهة معادلة صعبة: كيف يمكنها تحقيق التقدم الرقمي دون التضحية بالاستدامة البيئية؟

