رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

للحد من الانتحار.. الذكاء الاصطناعي يدخل العيادة النفسية

صورة أرشيفية
صورة أرشيفية

 


احتفل العالم أخيراً باليوم العالمي للصحة النفسية؛ بهدف تسليط الضوء على قضايا الصحة العقلية، ودعم الجهود العالمية لتحسين الوعي والعلاج. وتكتسب هذه المناسبة أهميةً خاصةً في العالم العربي، في ظل الضغوط الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المتزايدة، التي جعلت ملايين الأشخاص عرضةً لاضطرابات نفسية مثل الاكتئاب (Depression) والقلق.(Anxiety).

 

ارتفاع الاضطرابات النفسية 

 

تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن المنطقة العربية شهدت خلال العقد الأخير ارتفاعاً ملحوظاً في معدلات هذه الاضطرابات، حيث كشفت دراسات حديثة عن نسب مرتفعة للاكتئاب والقلق بين النازحين داخلياً في غزة، بينما وصلت نسبة الشعور بالتوتر المتكرر إلى نحو 35 في المائة من السكان في بعض الدول مثل تونس والعراق. يفاقم هذا الواقع نقص حاد في الكوادر المتخصصة، إذ لا يتجاوز عدد الأطباء النفسيين في بعض الدول طبيباً واحداً لكل 100 ألف شخص، ما يترك فجوةً كبيرةً بين الحاجة للرعاية والقدرة على تلبيتها.

 

الذكاء الاصطناعي يغير معادلة الرعاية النفسية

في هذا السياق المقلق، يبرز الذكاء الاصطناعي بوصفه أداةً ثوريةً يمكن أن تغيّر معادلة الرعاية النفسية جذرياً: فهو قادر على توسيع نطاق الخدمات لتصل إلى فئات محرومة، وتحسين سرعة الاستجابة، وتقليل التكلفة، وتعزيز الخصوصية، بل وتقديم دعم نفسي أولي على مدار الساعة. إنها ثورة رقمية صامتة، لكنها تحمل وعداً عظيماً لعالم عربي ما زال يرزح تحت عبء الوصمة والندرة في خدمات الصحة النفسية.

 

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد خوارزميات جامدة، بل تحوّل إلى مستمع ذكي قادر على فهم اللغة البشرية، ورصد الانفعالات، وتقديم تدخلات نفسية مدروسة في اللحظة المناسبة. يعتمد هذا التحول على تقنيات متقدمة مثل معالجة اللغة الطبيعية (Natural Language Processing – NLP) التي تمكِّن الأنظمة من تفسير المشاعر خلف الكلمات، وتعلّم الآلة الذي يتيح لها التعرّف على الأنماط السلوكية الدقيقة لدى المستخدمين مع مرور الوقت.

 

روبوتات حوارية نفسية

ومن أبرز التطبيقات العملية لذلك الروبوتات الحوارية النفسية (Therapeutic Chatbots) مثل «وبوت» (Woebot)، و«ويسا» (Wysa)، وهي منصات رقمية صُمِّمت لتكون بمثابة «رفيق علاجي» متاح على مدار الساعة. تستخدم هذه الروبوتات تقنيات العلاج المعرفي السلوكي (Cognitive Behavioral Therapy) لاكتشاف الأفكار السلبية المتكررة، ومساعدة المستخدمين على تفكيكها واستبدال أنماط تفكير أكثر توازناً بها. وقد أظهرت دراسات سريرية أن استخدام هذه الأدوات أدى إلى تحسَّن في أعراض الاكتئاب بنسبة تصل إلى 48 في المائة لدى المستخدمين المنتظمين، مع بناء علاقة علاجية تشبه إلى حد بعيد العلاقة مع المعالج النفسي البشري، من حيث الشعور بالدعم والتفهّم.

 

تطبيقات ذكية في الهواتف

 

ولا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على المحادثة فحسب؛ بل يمتد إلى الرصد الصامت والدقيق للسلوك اليومي عبر الهواتف الذكية والأجهزة القابلة للارتداء. يمكن لهذه الأنظمة، مثلاً، تحليل نبرة الصوت في أثناء المكالمات، وسرعة الكتابة، وأنماط النوم والنشاط، لتكوين «بصمة عاطفية» رقمية تكشف التغيرات المزاجية المبكرة، مما يتيح التدخل العلاجي قبل تفاقم الحالة.

رصد الأفكار الانتحارية

 

وفي دراسة رائدة نُشرت في مجلة التقارير العلمية «Scientific Reports» في أغسطس 2025، قادها الباحث ووجيتش بيتشوفتش بالتعاون مع ماريك كوتاس، وبيوتر بيوترُوفسكي من بولندا، جرى تقييم أداء 29 روبوتاً حوارياً في الكشف عن الأفكار الانتحارية المرتبطة بالاكتئاب والقلق. وأظهرت النتائج قدرة هذه الأنظمة على رصد إشارات مقلقة بدقة متزايدة، لكنها في الوقت نفسه كشفت عن ثغرات خطيرة في معايير السلامة والاستجابة للحالات الحرجة؛ ما دفع الباحثين إلى الدعوة لتبني أطر تنظيمية واضحة لضمان سلامة المستخدمين.

 

إن ما كان يتطلب في السابق جلسات علاجية مطوّلة ومتابعة مستمرة أصبح اليوم ممكناً عبر هاتف محمول أو جهاز بسيط في الجيب، لكن هذه القفزة التقنية تطرح أسئلةً عميقةً حول الحد الفاصل بين الدعم الآلي والرعاية الإنسانية، وكيفية الموازنة بين السرعة والخصوصية من جهة، والعمق العلاجي من جهة أخرى.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء