ثمة تشابه لافت بين جماعة الإخوان واليهودية الصهيونية، لا يقتصر على الأهداف السياسية، بل يمتد إلى البنية الفكرية والحركية التي قامت على تحويل الدين إلى أيديولوجية للتمكين والسيطرة، فكلا المشروعين حوّل العقيدة من إطارها الروحي إلى أداة نفوذ وتوسّع؛ فالإخوان رفعوا شعار إقامة "الخلافة الإسلامية" تحت مظلة "الأممية الأصولية"، بينما تبنّت الصهيونية إقامة "إسرائيل الكبرى" على أساس ما تسميه "الوعد الإلهي"، ومن ثم جرى تفريغ الدين من جوهره الإنساني، وتحويله إلى مشروع سياسي يُقاس فيه الإيمان بمدى الولاء للتنظيم أو المشروع، لا بالبعد الأخلاقي والروحي للعقيدة.
كلا الحركتين تبنّى مفهوم عسكرة الدين، فكما أنشأت الصهيونية ميليشياتها مثل "الهاجانا" و"الأرجون"، أسّس الإخوان "التنظيم الخاص" ليكون ذراعًا مسلحة للجماعة. ومن خلال هذا النهج جرى تشويه مفهوم "الجهاد" وتحويله من قيمة دفاعية عن الدين والوطن إلى أداة للقتال من أجل السلطة، في إطار ما عُرف بـ"فقه التنظيم"، الذي قدّم الولاء للجماعة على الولاء للوطن .
ومن أخطر ما يجمع الحركتين احتكارهما للنطق باسم الله، فالصهيونية تدّعي أنها تُنفّذ "الوعد الإلهي"، بينما تزعم جماعة الإخوان أنها "الفرقة الناجية" المكلّفة بإحياء الدين، ومن ثم حملت أدبياتهما خطابا ممزوجًا بشرعية فوقية دينية، تجعل كل من يعارضهما عدوًّا لله، في إطار من التأسيس لمنطقية ومذهبية الإقصاء والتكفير.
يقوم المشروع الصهيوني على فكرة "شعب الله المختار"، فيما تبنّى الإخوان مفهوم "الفئة المؤمنة" التي ترى نفسها نخبة مختارة وسط مجتمع "جاهلي"، ومن ثم ارتسم خطابهما بالنزعة الاستعلائية، التي تنظر إلى المجتمع باعتباره كتلة ناقصة الإيمان، تحتاج إلى "هداية" وتقويم من التنظيم، وقد تجذرت هذه الفكرة في أدبيات سيد قطب، خصوصًا في مؤلفيه في “ظلال القرآن” و”معالم في الطريق”.
ويتقاطع الطرفان أيضًا في فكرة المخلّص المنتظر، فالصهيونية تنتظر عودة المسيح لإقامة المملكة الإلهية، بينما يرى الإخوان أن الإسلام غاب وسقط بسقوط الخلافة، وأن إقامة الخلافة وتنصيب الخليفة هما بمثابة الركن السادس من أركان الإسلام، هذه الفكرة تبقي اتباعهما في حالة استنفار دائم، واستعداد للدفاع المسلح عن المعتقد الأيديولوجي.
إعادة قراءة وتأويل النصوص الدينية وتوظيفها سياسيًا، مثلت نقطة فاصلة في تاريخهما المعاصر، فمثلما استخدمت الصهيونية التوراة لتبرير الاحتلال، أعادت جماعة الإخوان تفسير السيرة النبوية من منظور حركي تنظيمي، كما في كتاب منير الغضبان "المنهج الحركي للسيرة النبوية"، الذي يتم الاعتماد عليه في تأهيل عقلية القواعد التنظيمية، ومن ثم تحوّلت النصوص الدينية إلى أدوات للتعبئة وبناء التنظيم وتبرير العنف، في إطار من العسكرة الدينية والعقائدية.
على المستوى النفسي، يشترك الإخوان والصهيونية في "عقدة الضحية" ووهم الخلاص. فكلٌّ منهما يبرّر عنفه بالمظلومية التاريخية؛ فالصهيونية تزعم أنها تردّ مظالم الشتات، بينما يبرّر الإخوان ممارساتهم بثأرهم لـ"سقوط الخلافة"، لا سيما أن هذه المظلومية الدائمة تُبقي الأتباع في حالة تعبئة مستمرة وعداء دائم مع المجتمع ومؤسسات الدولة.
في جوهر الأمر، يمثّل كلٌّ من الإخوان والصهيونية نموذجًا لتديين السياسة وتسييس الدين في آنٍ واحد، عبر إعادة إنتاج المقدّس كأداة للهيمنة على أتباعهما والحواضن المجتمعية، فكلاهما استبدل الإيمان بالانتماء، والعقيدة بالطاعة، والروحانية بالسلطة، ومن ثم تحول الإطار العقائدي، إلى مشروع أيديولوجي، غدت فيه الجماعة – لا العقيدة – إله يُعبد من دون الله.
عمرو فاروق*
كاتب وباحث في شؤون الجماعات الأصولية، وقضايا الأمن الإقليمي