رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

غزة في مفترق الطرق: إنقاذ إنساني أم هندسة سياسية جديدة ؟

الكارثة الانسانية
الكارثة الانسانية في غزة - أرشيفية

تمحورت القمم الدولية التي ناقشت الكارثة الإنسانية المتفاقمة في غزة حول ثلاثة محاور رئيسية: أولها التهدئة ووقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والدعوة إلى استئناف مسار سياسي شامل، أو على الأقل ضبط الوضع الإنساني بترتيبات مؤقتة، بيد أن تلك التعهدات ما زالت تفتقر إلى آلية تنفيذية قادرة على تحويلها من بيانات ختامية إلى واقع عملي على الأرض.

ورغم تحوّل الموقف الدولي من التعامل مع غزة كملف إغاثي إلى محاولة توظيف الأزمة الإنسانية كمدخل لبناء مسار سياسي، تدفع الأطراف الدولية نحو ربط إعادة الإعمار بترتيبات سياسية أو أمنية أكثر ديمومة، تبدأ من إدارة المعابر وتصل إلى مناقشة مستقبل الحكم في القطاع. ومع ذلك، لا يزال هذا التحول يصطدم بمعوقات واضحة، أبرزها غياب التوافق الفلسطيني الداخلي، والتردد الأمريكي في بلورة رؤية متكاملة، والتصلب الإسرائيلي إزاء أي ترتيبات لا تضمن تفكيك البنية العسكرية لحماس.

تدمير قطاع غزة - أرشيفية
تدمير قطاع غزة - أرشيفية

بناء آلية دولية لإعادة الإعمار وضبط الهدنة

يبرز مقترح إنشاء آلية دولية أو إقليمية لإعادة الإعمار وضبط الهدنة، بمشاركة أطراف عربية وأوروبية برعاية أممية، كأحد الخيارات المطروحة بقوة على طاولة النقاش. وتشمل مسؤوليات مدنية مثل مراقبة المعابر، وتوزيع المساعدات، وإعادة تأهيل البنية التحتية، وربما العمل كغطاء سياسي وأمني مؤقت يُمهد لمرحلة لاحقة، ولكن نجاح مثل هذه المبادرة يظل مشروطًا بتوافر حد أدنى من التوافق الدولي، وضمان مشاركة أو قبول فلسطيني واضح، لا سيما من الأطراف المسيطرة على الأرض.

تحافظ مصر على موقعها كوسيط أساسي وضامن لأي تفاهم أمني، بينما تواصل قطر تمويل المبادرات الإنسانية وتحتفظ بقنوات تواصل مع الفصائل في غزة. أما الاتحاد الأوروبي، فيطرح نفسه كطرف قادر على تقديم الدعم الفني والرقابي، لكنه يفتقر إلى تأثير ميداني ملموس ما لم يتكامل مع الحضور الأمريكي، الذي لا يزال يركّز على أمن إسرائيل أكثر من معالجة جذور الأزمة.

ربما لم نتوصل إلى حل دائم بعد، لكن هناك مؤشرات حذرة على نشوء مسار جديد، وظيفي أكثر منه سياسي، هدفه ضبط الأزمة لا حلّها. وسيعتمد هذا المسار على قدرة الأطراف الدولية على فرض آلية وسطية تضمن الحد الأدنى من الاستقرار، وتؤسس لاحقًا ـ إن سمحت الظروف ـ لبناء مسار سياسي فعلي ومستدام.

المجاعة في قطاع غزة - أرشيفية
المجاعة في قطاع غزة - أرشيفية

تحديات التوصل إلى حل دائم

تواجه جهود تحويل التعهدات الإنسانية إلى مسار سياسي دائم مجموعة معقدة من التحديات الجذرية التي تعيق أي تقدم ملموس، على رأسها الانقسام الفلسطيني الداخلي بين حركتي حماس والسلطة الوطنية، حيث تعيق هذه الانقسامات تشكيل تمثيل فلسطيني موحّد قادر على التفاوض والالتزام باتفاقات طويلة الأمد، مما يقوض مصداقية أي آلية دولية في الإدارة أو الإشراف على غزة.

كذلك يشكل الموقف الإسرائيلي حاجزًا أساسيًا، إذ ترفض إسرائيل أي ترتيبات قد تعزز من نفوذ حماس أو تسمح بإعادة بناء بنية عسكرية، مما يقيد حرية الحركة ويجعل الإعمار مرتبطًا بشروط أمنية مشددة يصعب تلبيتها. كما أن ميل الولايات المتحدة إلى تل أبيب، والتردد الأمريكي، وعدم وجود رؤية واضحة لوقف دائم للصراع، يجعل الضغط الدولي على الأطراف المعنية محدودًا.

إلى جانب ذلك، هناك تحديات مالية ولوجستية، إذ إن ضمان التمويل المستدام لإعادة الإعمار يتطلب توافقًا دوليًا واسعًا، وفي ظل التوترات السياسية قد تتعثر الأموال أو تُستخدم كورقة ضغط. وأخيرًا، فإن عدم وجود إطار سياسي إقليمي موحد حول كيفية التعامل مع الأزمة يعقد التنسيق بين الأطراف العربية والأوروبية، ويقلل من فرص نجاح أي آلية دولية أو إقليمية.

قيود إعادة الإعمار والإصلاح الداخلي

تمثل مسألة التمويل أحد أبرز العقبات، إذ إن إعادة إعمار غزة تتطلب موارد مالية ضخمة واستمرارية في الالتزام، وهو أمر صعب في ظل التنافس على الأولويات في النظام الدولي، والشكوك المتكررة بشأن الشفافية والرقابة على استخدام الأموال. كما أن بعض الدول المانحة تربط مساهماتها بشروط سياسية أو أمنية، ما يحوّل الدعم المالي إلى أداة ضغط، ويقيد حركية العمل الإنساني ويؤخر عمليات الإعمار.

الكارثة الانسانية في غزة - أرشيفية
الكارثة الانسانية في غزة - أرشيفية

كما يفرض حجم الدمار الهائل في غزة تعقيدات لوجستية كبيرة، لا تتعلق فقط بإعادة تأهيل البنية التحتية، بل أيضًا بتوفير الاحتياجات الأساسية في ظل انهيار شبه كامل للقطاع الصحي والخدمات الأساسية. ومع تأخر دخول المساعدات الكافية، سواء الطبية أو المعيشية، تتضاعف المعاناة اليومية للسكان، ما يعقّد أي محاولة لتأسيس استقرار حقيقي.

يُضاف إلى ذلك ضعف الإطار الإقليمي والتنسيق الدولي، فلا تزال الخلافات بين الدول العربية حاضرة، سواء في أولويات التعامل مع الملف الفلسطيني أو في رؤية كل دولة لدورها في المرحلة المقبلة. هذا التباين في السياسات تجاه الفصائل الفلسطينية والتنافس يؤدي إلى تشتيت الجهود وغياب المبادرات الموحدة.

 بين التهدئة والحل الشامل

من أبرز الحلول المطروحة إمكانية إنشاء آلية دولية أو إقليمية هجينة لإعادة إعمار غزة، تضم أطرافًا عربية وأوروبية برعاية أممية، على أن تكون محايدة وتعمل بمعزل عن الحسابات السياسية الفصائلية. يمكن لمثل هذه الآلية أن تتولى الإشراف على المعابر، وتوزيع المساعدات، وضمان الشفافية في إدارة التمويل، مقابل تهدئة طويلة الأمد.

كما يُطرح خيار تشكيل إدارة مدنية انتقالية في غزة، بدعم عربي-دولي، تكون بمثابة خطوة تمهيدية نحو حل سياسي أوسع يشمل المصالحة الفلسطينية الداخلية.

ومن المتوقع على المدى القصير أن تستمر الجهود الإنسانية المشروطة بوقف إطلاق نار مؤقت دون اختراق سياسي حاسم، أما على المدى المتوسط، فقد يتم التوافق على ترتيبات ميدانية محدودة لتسهيل الإعمار، إذا ما نجحت الوساطات في تحقيق تهدئة مستقرة. ومع ذلك، فإن تحقيق اختراق سياسي شامل يظل مرهونًا بتغيرات أعمق في مواقف اللاعبين الأساسيين، وبخاصة الولايات المتحدة وإسرائيل، تجاه مستقبل القطاع والقضية الفلسطينية ككل.

دعاء إمام*

باحثة في العلاقات الدولية والإقليمية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء