رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

قطر وتركيا على خط مفاوضات غزة.. لماذا الآن؟

الوفود الجديدة في
الوفود الجديدة في مفاوضات القاهرة

مع اقتراب الجولة الجديدة من مفاوضات "خطة ترامب" لإنهاء الحرب في غزة والمقررة غدًا في القاهرة، تشهد القاهرة حراكًا دبلوماسيًا مكثفًا مع انضمام وفود جديدة تمثل كلًا من قطر وتركيا.

ويعيد هذا التطور خلط الأوراق في واحدة من أكثر الملفات تعقيدًا منذ اندلاع الحرب في غزة العام الماضي. وبالطبع دخول هذين الطرفين على خط المفاوضات ليس تفصيلًا هامشيًا، بل يمثل تحولًا في موازين القوى داخل الغرف المغلقة، خاصة وأن الدوحة وأنقرة لم تكن من الأطراف الفاعلة في المفاوضات، خاصة أن قطر كانت تعد نفسها وسيطًا بالعملية التفاوضية، إلا أنه قد تكشف الثقل المصري بنهاية المطاف. 

 

قطر وتركيا من الغياب إلى الانضمام: لماذا الآن؟!

السؤال الأبرز الذي يتردد في الأوساط الدبلوماسية بعد إعلان كل من قطر وتركيا الآن إلى الجولة الجديدة لمفاوضات القاهرة هو: لماذا قررت قطر وتركيا المشاركة في هذه المرحلة بالذات؟

لا تنفصل الإجابة عن التطورات المتسارعة في الميدان السياسي والعسكري، ولا عن محاولات كل طرف إعادة التموضع الإقليمي بعد عامين من الحرب والانقسام الفلسطيني الداخلي.

<span style=
قطر وتركيا من الغياب إلى الانضمام: لماذا الآن؟!

قطر تلعب على صياغة المشهد السياسي بالمنطقة

قطر التي لعبت دورًا محوريًا في الوساطة بين حماس والولايات المتحدة خلال الأشهر الماضية، بدأت تدرك أن إدارة المفاوضات أصبحت تتجاوز حدود الوساطة الإنسانية إلى إعادة صياغة المشهد السياسي الفلسطيني ما بعد الحرب.

وبينما أصبحت القاهرة مركز الثقل في هذه العملية، وتحولت المفاوضات من مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار إلى حوار شامل حول إعادة إعمار غزة وترتيب السلطة على الأرض، فلم يعد بإمكان الدوحة أن تبقى خارجه، خاصة وهي التي استثمرت سياسيًا واقتصاديًا في القطاع طوال السنوات الماضية.

 

تركيا ترغب استعادة نفوذها التاريخي 

أما تركيا، فإن دخولها على خط المفاوضات يأتي من زاوية مختلفة. فأنقرة تدرك أن غيابها عن المباحثات منذ البداية جعلها تخسر جزءًا من نفوذها التاريخي في الملف الفلسطيني، في وقت تسعى فيه إلى استعادة مكانتها كدولة مؤثرة في توازنات الشرق الأوسط. 

كما أن مشاركة تركيا الآن تمنحها فرصة لتقديم نفسها كطرف "ضامن" لحركة حماس أو كجسر بين الفصائل الإسلامية والدبلوماسية الغربية، في مواجهة صعود الدورين المصري والسعودي اللذين ينسقان مع واشنطن وباريس لرسم مستقبل غزة السياسي والأمني.

التحول التركي أيضًا يأتي بعد فترة من الانفتاح الدبلوماسي مع القاهرة، وهو ما جعل مشاركتها في المفاوضات ممكنة من الناحية السياسية بعد أن كانت العلاقات بين البلدين شبه مجمدة خلال السنوات السابقة. 

لذا، فإن وجود الوفد التركي في القاهرة يحمل أبعادًا مزدوجة: فهو من جهة محاولة لاستعادة التأثير في القضية الفلسطينية، ومن جهة أخرى تعبير عن التفاهم المتنامي بين أنقرة والقاهرة في الملفات الإقليمية الحساسة.

السيسي
السيسي

ملف الأسرى وإدارة غزة على رأس الخلافات 

منذ بدء المفاوضات بالأمس، برزت عدة نقاط خلافية حادة بين الوفود المشاركة، ما يعكس عمق الفجوة بين التصورات المختلفة حول تنفيذ "خطة ترامب المعدّلة"، التي تعيد صياغة المرحلة المقبلة في غزة والضفة الغربية والقدس.

وأبرز هذه الخلافات تدور حول ثلاث قضايا مركزية: ملف الأسرى، وتركيبة السلطة الفلسطينية في غزة، وضمانات وقف إطلاق النار الدائم.

القضية الأولى تتعلق بملف الأسرى والمحتجزين، حيث تصر إسرائيل على إطلاق سراح الرهائن دون مقابل سياسي مباشر، بينما تصر حماس على ربط أي صفقة بالإفراج عن قادة بارزين في السجون الإسرائيلية، مثل مروان البرغوثي وأحمد سعدات وآخرين، وهو ما تعتبره تل أبيب "خطًا أحمر". 

وهذا الخلاف عطل مسار التفاهمات منذ اليوم الأول، وأدى إلى سجالات طويلة حول مراحل تنفيذ الصفقة وجدولها الزمني.

أما المسألة الثانية فتتمثل في "من سيحكم غزة بعد الحرب؟". وهنا تتصادم الرؤى بين واشنطن وحماس، فبينما تدفع واشنطن ومصر باتجاه تشكيل سلطة فلسطينية موسعة تضم حماس ولكن تحت إشراف القيادة الرسمية في رام الله، تعترض إسرائيل على أي صيغة تمنح حماس موقعًا رسميًا داخل الكيان السياسي الجديد. 

وفي المقابل، ترفض حماس فكرة عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة دون "توافق وطني شامل"، معتبرة أن ذلك سيكرس الإقصاء ويعيد إنتاج الانقسام.

حماس
حماس

وفي هذا السياق، تحاول قطر أن تلعب دورًا توازنيًا، إذ تميل إلى دعم صيغة تسمح ببقاء نفوذ حماس في إدارة غزة، ولو بصيغة "إدارة محلية انتقالية"، بينما تتبنى تركيا موقفًا مشابهًا لكن أكثر وضوحًا في دعم بقاء حماس كقوة سياسية شرعية داخل أي هيكل مستقبلي. 

وهذا ما يجعل حضور البلدين إلى المفاوضات ليس مجرد مشاركة رمزية، بل تدخلًا مباشرًا في جوهر الملفات الخلافية.

أما القضية الثالثة تتعلق بالضمانات الأمنية ووقف إطلاق النار الدائم. فبينما تصر القاهرة وواشنطن على ضرورة وضع آلية رقابة مشتركة تضمن التهدئة، ترى حماس أن أي وجود أمني أجنبي على حدود غزة يشكل انتهاكًا لسيادتها. وهذا الجدل يتجدد مع كل جلسة، وتعمل مصر على صياغة مقترح وسط يضمن التهدئة ويحدّ من التدخل الخارجي في الشؤون الفلسطينية.

الدور المصري بين توازنات الضغط والوساطة

في خضم هذه التناقضات، تبدو مصر كأنها تمسك بالخيوط كافة — فهي ليست فقط الدولة المستضيفة للمفاوضات، بل المحرك الحقيقي لمسارها. وتدرك القاهرة أن فشل هذه الجولة لن يعني فقط انتكاسة دبلوماسية، بل تهديدًا لدورها الإقليمي الذي استعاد زخمه خلال السنوات الأخيرة. 

ولذلك تعمل مصر على مسارين متوازيين: الأول هو المسار الأمريكي – الإسرائيلي الذي يهدف إلى تمرير عناصر "خطة ترامب" المعدلة بطريقة تحفظ مصالح الأطراف الغربية والإقليمية، والثاني هو المسار الفلسطيني – الفلسطيني الذي تسعى من خلاله إلى تحقيق "وفاق وطني" ولو بالحد الأدنى.

في المسار الأول، تستخدم القاهرة خبرتها الطويلة في التفاوض مع الأطراف الإسرائيلية والفصائل الفلسطينية لتقريب وجهات النظر، وتحاول أن توازن بين ضغوط واشنطن التي ترغب في تسريع التفاهمات، وبين رفض حماس التوقيع على أي اتفاق قبل ضمان ترتيبات سياسية واضحة. 

ويتكوف
ويتكوف

وفي هذا السياق، تستفيد مصر من دعم فرنسي واضح، ومن تنسيق مستمر مع السعودية التي تتابع الملف عن كثب باعتباره جزءًا من جهودها لإنهاء الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

أما في المسار الثاني، أي الداخلي الفلسطيني، فتواصل القاهرة مساعيها لإقناع الفصائل المختلفة بقبول رؤية موحدة للحكم في غزة بعد الحرب. فهي تدرك أن أي اتفاق سياسي لن يكتب له النجاح ما لم يكن مدعومًا بتفاهم داخلي فلسطيني يضمّ حماس وفتح وباقي الفصائل. 

ولهذا، عقدت مصر في الأسابيع الماضية سلسلة من الاجتماعات المغلقة بين ممثلين عن الحركتين، في محاولة لتخفيف التوتر وتذليل العقبات التي حالت دون تشكيل حكومة وحدة وطنية حتى الآن.

من جهة أخرى، تسعى مصر إلى الحفاظ على موقعها كوسيط رئيسي لا يمكن تجاوزه، حتى في ظل دخول أطراف جديدة مثل قطر وتركيا. ولذلك تعمل على ضبط الإيقاع داخل المفاوضات، بحيث تبقى الكلمة الفصل بيدها، مع منح الأطراف الأخرى هامشًا محسوبًا من التأثير. 

وهذه السياسة الدقيقة تجعل القاهرة تبدو كمن يناور على حبلين: فهي تدعم رسميًا خطة ترامب وتتعهد بالمساعدة في تنفيذها، لكنها في الوقت نفسه تسعى لأن تكون ضامنة لحقوق الفلسطينيين ومصالحهم حتى لا تُتهم بالانحياز.

الأسرى الفلسطينيين 
الأسرى الفلسطينيين 

بين الحسابات الإقليمية وآمال التسوية

دخول قطر وتركيا في هذا التوقيت يحمل دلالات أبعد من تفاصيل الخطة، فهو يعكس رغبة هذه الدول في عدم ترك الساحة خالصة لمصر والسعودية في تحديد مستقبل القضية الفلسطينية. 

وفي المقابل، تحاول القاهرة أن تحول هذا التنوع في المشاركين إلى عامل قوة يثبت أنها قادرة على جمع الأطراف المتناقضة حول طاولة واحدة.

ويرى مراقبون أنه برغم العقبات فإن استمرار هذه المفاوضات في حد ذاته يشير إلى رغبة جماعية — ولو محدودة — في تجنب العودة إلى مربع الحرب.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء