«من الضيف إلى هنية».. إسرائيل تغتال قيادات حماس في «حرب تصفية فاشلة»
منذ السابع من أكتوبر 2023، لم تتوقف إسرائيل عن ملاحقة قادة حركة حماس سياسيًا وعسكريًا، في واحدة من أكثر الحملات الاستخباراتية دموية وتعقيدًا منذ سنوات.
فبعد الهجوم الذي شنّته الحركة على مستوطنات الغلاف الإسرائيلي، دخلت تل أبيب في مرحلة “تصفية الحسابات”، مستهدفة الصف الأول من قيادات الحركة داخل غزة وخارجها.
خلال عام واحد فقط، فقدت حماس عددًا من أبرز قادتها التاريخيين والعسكريين، في سلسلة اغتيالات متتابعة نفذتها إسرائيل بدقة عالية، مستخدمة طائرات مسيّرة وغارات جوية، وحتى عمليات نوعية في الخارج.
هذه الضربات لم تغيّر فقط خريطة القيادة داخل الحركة، بل تركت آثارًا سياسية وأمنية عميقة على مستقبلها في القطاع والمنطقة.
محمد الضيف.. نهاية “الشبح”

في يوليو 2024، أعلنت إسرائيل اغتيال القائد العام لكتائب القسام محمد الضيف في غارة جوية على خان يونس جنوب غزة.
الضيف، الذي ظلّ مطاردًا لأكثر من ثلاثة عقود ونجا من سبع محاولات اغتيال سابقة، كان يُعتبر “العقل العسكري” للحركة والمسؤول الأول عن تطوير ترسانتها الصاروخية وشبكات الأنفاق.
مثّل رحيله ضربة قاسية للجناح العسكري، إذ كان يتمتع بنفوذ وهيبة داخلية جعلته رمزًا للمقاومة في أعين كثير من الفلسطينيين.
يحيى السنوار.. أسطورة حماس
كان السنوار يمثل الصلة بين القيادة السياسية والعسكرية، ويعدّ أحد مهندسي عملية “طوفان الأقصى” في أكتوبر 2023.
جاء اغتياله بعد مطاردة استخباراتية معقدة استمرت شهورًا، شاركت فيها وحدات من الشاباك والجيش الإسرائيلي. ورغم غموض التفاصيل، فإن غيابه خلّف فراغًا كبيرًا داخل الحركة التي فقدت أهم وجوهها القيادية في الداخل.

وقد أعلنت إسرائيل مقتل يحيى السنوار، زعيم حماس في قطاع غزة، في غارة استهدفت مخبأه في مدينة رفح في 16 أكتوبر 2024.
إسماعيل هنية.. اغتيال في قلب طهران
في يوليو 2024، امتدت يد إسرائيل إلى الخارج، حيث اغتيل رئيس المكتب السياسي لحماس إسماعيل هنية في طهران أثناء حضوره مراسم تنصيب الرئيس الإيراني الجديد.

تلك العملية، التي أثارت صدمة إقليمية، اعتبرتها حماس “اعتداءً على السيادة الإيرانية”، بينما وصفتها إسرائيل بأنها “رسالة إلى محور المقاومة”.
هنية، الذي تولّى قيادة الحركة منذ 2017، كان يمثل الوجه السياسي المعتدل نسبيًا داخل حماس، ومسؤولا عن العلاقات الخارجية وتمويل الحركة.
صالح العاروري.. نهاية رجل الظل في بيروت
في الثاني من يناير 2024، قُتل نائب رئيس المكتب السياسي لحماس صالح العاروري في غارة إسرائيلية استهدفت مكتبه في ضاحية بيروت الجنوبية.

كان العاروري أحد العقول التنظيمية للحركة، والمسؤول عن تنسيق العمليات في الضفة الغربية، وقد شكل اغتياله أول عملية إسرائيلية مباشرة داخل لبنان منذ سنوات، وأثار مخاوف من توسع رقعة المواجهة بين إسرائيل وحزب الله.
مروان عيسى ورافع سلامة.. استنزاف الصف الميداني
في مارس 2024، أعلنت إسرائيل مقتل مروان عيسى، نائب القائد العام لكتائب القسام، خلال قصف استهدف موقعًا في مخيم النصيرات وسط القطاع.

مروان عيسى كان من أبرز العقول الميدانية في التخطيط لهجوم أكتوبر، واغتياله مثّل استكمالًا لضرب بنية القيادة العسكرية.
وفي يوليو من العام ذاته، قُتل رافع سلامة، قائد فرع القسام في خان يونس، بغارة استهدفت منزله، ما أدى إلى انهيار مؤقت في قيادة القطاع الجنوبي للمقاومة.

استراتيجية الاغتيال.. بين الردع والتصعيد
تصف إسرائيل سلسلة الاغتيالات هذه بأنها “عملية لإزالة رؤوس الإرهاب”، فيما ترى حماس أنها “حرب تصفية فاشلة”، مؤكدة أن الحركة “أكبر من الأشخاص”.
ومع كل عملية اغتيال، يتجدد الجدل حول مدى قدرة إسرائيل على إنهاء حماس عسكريًا، خاصة أن الحركة سرعان ما تعيد هيكلة صفوفها وتعلن عن قيادات بديلة.
محللون يرون أن هذه الاغتيالات تحمل أهدافًا مزدوجة: تحقيق نصر معنوي للرأي العام الإسرائيلي، وضرب شبكة القيادة التي تدير القتال في غزة. لكن في المقابل، تسببت هذه العمليات في مقتل مئات المدنيين، وأثارت انتقادات دولية حول الاستخدام المفرط للقوة.
رغم الضربات المؤلمة التي تلقتها حماس، يبدو أن الحركة ما تزال قادرة على الصمود وإعادة التموضع، مستفيدة من دعم إقليمي وشبكاتها السرية داخل القطاع وخارجه.
وبينما تواصل إسرائيل سياسة “الاغتيال الموجّه”، تطرح التساؤلات حول ما إذا كانت هذه الاستراتيجية ستقود إلى إنهاء حماس، أم أنها ستفتح فصلًا جديدًا من الصراع في غزة والمنطقة.

