ماكرون يقبل استقالة رئيس الوزراء الفرنسي الجديد
في مشهد سياسي دراماتيكي جديد، قبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون استقالة رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو، بعد أقل من شهر على تعيينه، ما عمّق الأزمة السياسية التي تعيشها فرنسا منذ العام الماضي.
جاءت استقالته المفاجئة قبل ساعات من انعقاد أول اجتماع لمجلس الوزراء، في خطوة تم تفسيرها على نطاق واسع بأنها تعبير عن فشل مشروعه السياسي في ظل انقسامات حادة داخل البرلمان الفرنسي وانتقادات لاذعة للحكومة الجديدة.
ماكرون يقبل استقالة رئيس الوزراء الفرنسي
وقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، استقالة ليكورنو صباح الاثنين، لينتهي بذلك ثالث عهد حكومي في أقل من عام، بعد فشل متكرر في تحقيق الاستقرار السياسي وسط برلمان منقسم بين اليمين المتطرف واليسار والكتلة الوسطية دون أغلبية واضحة لأي طرف.

وفي خطاب مرتجل ألقاه ليكورنو على درج مقر رئاسة الحكومة (ماتينيون) بباريس، بدا عليه التأثر وهو يوجه انتقادات لاذعة لما وصفه بـ"الغرور السياسي" الذي يُهيمن على الطبقة السياسية الفرنسية.
وقال ليكورنو، إن الأحزاب السياسية في البلاد "تتصرف كما لو كانت تمتلك أغلبية مطلقة في البرلمان، بينما الحقيقة أنها لا تملك سوى الانقسام"، معتبرًا أن هذا السلوك هو ما أدى إلى فشل التوافق الوطني الذي دعا إليه منذ تسلمه المنصب.
وأضاف في كلمته أن المعارضة "تتمسك بشهوات حزبية" ولا تسعى إلى التنازل أو التعاون من أجل المصلحة الوطنية، مشيرًا إلى أنه واجه عراقيل منذ اليوم الأول بسبب رفض القوى السياسية مشروع حكومته قبل أن تبدأ فعليًا عملها.
استقالة بعد أقل من شهر
وكان ليكورنو، أعلن قبل أيام عن تشكيل حكومة جديدة لم تتضمن أي تغييرات تُذكر مقارنة بالحكومة السابقة برئاسة فرانسوا بايرو، الذي أُقيل الشهر الماضي على خلفية اقتراح مثير للجدل لتقليص الميزانية؛ الأمر الذي أثار غضبًا واسعًا في صفوف المعارضة التي رأت في التشكيلة الجديدة "نسخة مكررة" من حكومة ماكرون السابقة، دون أي تجديد أو رؤية مختلفة.
واتهمت أحزاب المعارضة ليكورنو، بالتراجع عن وعوده بإحداث "قطيعة عميقة" مع السياسات السابقة، مشيرة إلى أن معظم الوزراء الجدد هم من المقربين من الرئيس ماكرون، ما جعل الحكومة أشبه بـ"ظل" للرئيس أكثر من كونها فريقًا سياسيًا مستقلًا.
وفي دفاعه عن خياراته، شدد ليكورنو، على أن قراره بعدم اللجوء إلى المادة 49.3 من الدستور – التي تتيح للحكومة تمرير القوانين دون تصويت برلماني – كان خطوة إصلاحية حقيقية تمثل قطيعة عن ممارسات الحكومات السابقة، معتبرًا أن ذلك كافٍ لتأكيد جديته في الإصلاح والشفافية السياسية.
غير أن هذه التبريرات لم تُقنع المعارضة ولا الرأي العام، حيث تصاعدت الدعوات لإقالته، وبدأت كتل برلمانية من مختلف الأطياف – من أقصى اليسار إلى اليمين المتطرف – في الإعداد لتقديم اقتراح بسحب الثقة من حكومته.
ووفق مصادر برلمانية، كان التصويت على حجب الثقة مقررًا ليُجرى خلال أيام، وهو ما يبدو أنه دفع ليكورنو إلى تقديم استقالته قبل أن تتم إقالته رسميًا.
وبينما تزداد الأزمة السياسية حدة، تلوح في الأفق تساؤلات حول الخطوة التالية للرئيس ماكرون. إذ يرجح مراقبون أن يلجأ إلى حل البرلمان والدعوة إلى انتخابات مبكرة، في محاولة لاستعادة زمام المبادرة وسط حالة الانقسام والفوضى التي تعيشها الساحة السياسية.
وفي هذا السياق، قال جوردان بارديلا، زعيم حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف، بزعامة مارين لوبان، إن "استعادة الاستقرار في فرنسا لن تكون ممكنة دون العودة إلى صناديق الاقتراع وحل الجمعية الوطنية"، مضيفًا أن "ماكرون هو المسؤول الأول عن هذا الانسداد السياسي، لأنه شكل الحكومة بنفسه دون فهم حقيقي للوضع الراهن".
حزب التجمع الوطني يدعو لإجراء انتخابات جديدة
ودعا حزب التجمع الوطني إلى إجراء انتخابات جديدة، معربًا عن ثقته في تحقيق تقدم أكبر داخل البرلمان في حال جرى التصويت مجددًا، مستفيدًا من تراجع شعبية الرئيس ماكرون وحزبه الوسطي.
تأتي هذه التطورات في وقت تواجه فيه فرنسا سلسلة من الأزمات المتشابكة: أزمة سياسية خانقة، وانقسام اجتماعي متصاعد، وضغوط اقتصادية مع اقتراب موعد مناقشة ميزانية العام المقبل التي تتطلب توافقًا برلمانيًا واسعًا لا يبدو ممكنًا في الظروف الحالية.
وبينما لا تزال المناصب الوزارية الأساسية دون تغيير يُذكر – حيث احتفظ جيرالد دارمانين بحقيبة العدل، واستمرت رشيدة داتي وزيرة للثقافة – أثارت بعض التعيينات الجديدة جدلًا واسعًا، وعلى رأسها تعيين برونو لومير، الذي شغل سابقًا منصب وزير الاقتصاد لسبع سنوات، وزيرًا للدفاع، في خطوة فُسّرت على أنها تأكيد إضافي لاستمرار ماكرون في الاعتماد على دائرته الضيقة من الحلفاء الموثوقين.
من جهتها، اعتبرت قوى المعارضة هذا القرار "رمزًا لجمود السلطة" و"غياب أي رؤية جديدة"، فيما رأى مراقبون أن ماكرون أصبح أكثر عزلة من أي وقت مضى، وأن استقالة ليكورنو بعد أقل من شهر على توليه المنصب ليست سوى انعكاس لأزمة أعمق في بنية النظام السياسي الفرنسي الذي يشهد حالة غير مسبوقة من الاضطراب وعدم الثقة بين الحكومة والبرلمان والشعب.

