قبل أن تنفجر.. «مستشار الأزمات» مقترح جديد داخل الجامعات لرصد الغضب | خاص
في الجامعة، قد تبدأ الأزمة بشكوى لم تجد من يسمعها، أو قرار لم يُشرح بصورة كافية، أو عضو هيئة تدريس يختار الصمت لأنه لا يثق في جدوى الاعتراض. ومع مرور الوقت، قد تتحول المشكلة الإدارية المحدودة إلى نزاع مؤسسي أو تحقيقات أو أزمة رأي عام.
من هنا تبرز فكرة استحداث منصب «مستشار رئيس الجامعة للحوكمة والحوار المؤسسي وإدارة الأزمات»، ليس باعتباره منصبًا شرفيًا جديدًا داخل الهيكل الإداري، وإنما باعتباره قناة مستقلة للإنذار المبكر، تستمع إلى أطراف المشكلة، وتتحقق من المعلومات، وتحلل مؤشرات التوتر، ثم ترفع إلى رئيس الجامعة صورة متكاملة عما يحدث، بما في ذلك الآراء المخالفة لدوائر الإدارة.
إدارة الأزمة تبدأ قبل وقوعها
وتدعم الدراسات الأكاديمية فكرة الانتقال من إدارة الأزمة بعد وقوعها إلى استشعارها مبكرًا.
ففي دراسة بعنوان «التخطيط الاستراتيجي لإدارة الأزمات الجامعية»، للباحث علي محمد علي المداعي من كلية الدراسات العليا للتربية بجامعة القاهرة، والمنشورة عام 2020 في مجلة مستقبل التربية العربية، خلص البحث إلى أهمية التخطيط الاستراتيجي في إدارة الأزمات الجامعية، بدءًا من التنبؤ بالأزمة وصولًا إلى التعلم من نتائجها بعد انتهائها.
وهنا يمكن أن تبدأ مهمة المستشار المقترح؛ إذ لا ينتظر وصول الأزمة إلى مكتب رئيس الجامعة، وإنما يعمل على إنشاء خريطة دورية لمؤشرات المخاطر، تشمل الشكاوى المتكررة، والقرارات محل الاعتراض، ونقاط الاحتقان، والملفات التي تشهد تصاعدًا مستمرًا.
جامعة أسيوط.. مراكز الأزمات ليست رفاهية
وتقدم دراسة مصرية أخرى، منشورة عام 2022 في المجلة التربوية لتعليم الكبار بجامعة أسيوط، بعنوان «ملامح مراكز إدارة الأزمات بالجامعات المصرية في ضوء خبرات بعض الدول» للباحثة انتصار محمد حامدو، أرضية أخرى للمقترح.
فالفكرة لا تتعلق بإنشاء منصب جديد لمجرد إضافة مسمى إداري، وإنما ببناء حلقة اتصال حقيقية بين رئيس الجامعة ومراكز إدارة الأزمات والقيادات الأكاديمية والكليات وأعضاء هيئة التدريس.
وبذلك يصبح المستشار المقترح حلقة للربط والتحليل، وليس مجرد مسؤول عن العلاقات العامة أو تحسين صورة الجامعة بعد وقوع المشكلة.
الدكتور محمد فوزي: الوقاية تبدأ من الإنذار المبكر
وفي هذا السياق، يرى الدكتور محمد فوزي، عضو هيئة التدريس بجامعة أسيوط، أن التعامل مع الأزمات داخل الجامعات يحتاج إلى التحول من رد الفعل إلى الوقاية والتنبؤ المبكر.

وكان فوزي قد طرح، في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك» ضمن رؤية لتأهيل القيادات الجامعية للتعامل مع الأزمات، أهمية بناء نظام للتنبؤ المبكر بالأزمات، من خلال استطلاعات دورية وتحليل البيانات لاكتشاف المؤشرات الأولية للمشكلة قبل تحولها إلى أزمة، مؤكدًا أن هذا النهج ينقل الجامعة من التعامل مع الأزمة بعد وقوعها إلى التدخل الوقائي قبل التصعيد.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند وضعها في إطار المقترح الجديد؛ إذ يمكن أن يكون مستشار رئيس الجامعة مسؤولًا عن تجميع هذه الإشارات وتحويلها إلى تقارير مختصرة لصانع القرار، بحيث لا تصل إليه الأزمة بعد أن تكون قد أصبحت حديثًا عامًا.
«المشكلة الصغيرة» قد تكون إنذارًا لأزمة أكبر
الفكرة الأساسية هنا أن الأزمة الجامعية لا تبدأ بالضرورة لحظة ظهورها على مواقع التواصل الاجتماعي.
قد تبدأ من شكوى فردية، أو تكرار مشكلة في قسم أكاديمي، أو اعتراض مجموعة من أعضاء هيئة التدريس على إجراء معين، أو ارتفاع شكاوى الطلاب من خدمة جامعية، أو وجود فجوة بين القرار الإداري وطريقة شرحه وتنفيذه.
وبالتالي، فإن وظيفة المستشار لا تتمثل في إلغاء الاعتراضات، وإنما في فهم أسبابها وتحديد ما إذا كانت مجرد ملاحظة عابرة أم مؤشرًا على خلل يحتاج إلى تدخل إداري.
9 متطلبات لإدارة الأزمات.. من القيادة إلى الاتصال
وفي مجلة جامعة الفيوم للعلوم التربوية والنفسية، تناولت الباحثة عبير فتحي محمد أبو سليمة عام 2023 متطلبات إدارة الأزمات بالجامعات المصرية في ضوء مدخل الرشاقة الاستراتيجية.
وتضمنت المتطلبات تسع مجموعات رئيسية، من بينها القيادة، والإدارة الاستباقية للأزمة، والتخطيط الاستراتيجي، والهيكل التنظيمي، وأنظمة العمل، وتدفق الموارد، والاتصال متعدد الوظائف، وبيئة العمل والجو النفسي، والحساسية الاستراتيجية.
وهي عناصر يمكن أن تشكل عمليًا إطار عمل للمستشار المقترح؛ يبدأ من رصد المشكلة، ثم جمع المعلومات، وتحليل أسبابها، والاستماع إلى أطرافها، وطرح البدائل أمام رئيس الجامعة، ومتابعة نتائج القرار بعد تنفيذه.
تجربة جامعة الملك عبد العزيز.. التخطيط أولًا
وتقدم التجارب العربية مؤشرًا إضافيًا على أهمية الانتقال من إدارة الأزمة إلى التخطيط لها.
ففي دراسة عن واقع إدارة الأزمات بجامعة الملك عبد العزيز، شملت 200 موظف إداري، جاء بُعد التخطيط في المركز الأول، يليه التنسيق ثم التنظيم، مع توصيات بعقد اجتماعات دورية بين القيادات الأكاديمية ومديري إدارات الأزمات لمناقشة المشكلات وتحديث الخطط وتوفير كوادر مؤهلة.
وهذا يوضح أن نجاح إدارة الأزمات لا يعتمد فقط على وجود مركز أو لجنة، وإنما على وجود اتصال مستمر بين من يرصد المشكلة ومن يمتلك سلطة اتخاذ القرار.
الصمت التنظيمي.. أخطر من الشكوى
لكن ربما يكون التحدي الأكبر أمام أي نظام للإنذار المبكر هو المشكلة التي لا تصل أصلًا إلى الإدارة.
فقد تناولت دراسات مصرية وعربية مفهوم الصمت التنظيمي وعلاقته بأداء العاملين وأعضاء هيئة التدريس. ومن بينها دراسة مصرية اعتمدت على عينة بلغت 245 عضوًا من أعضاء الهيئة المعاونة بجامعة مدينة السادات، إلى جانب دراسة للدكتورة نورة يحيى جابر الفيفي من جامعة الملك خالد، نشرتها مجلة جامعة أم القرى للعلوم التربوية والنفسية في ديسمبر 2024، وتناولت الصمت التنظيمي وعلاقته بأداء أعضاء هيئة التدريس.
وهنا تظهر المفارقة: غياب الشكاوى لا يعني بالضرورة غياب المشكلات.
فقد تكون المشكلة في قناة الاتصال نفسها، أو في اعتقاد أصحاب المشكلة أن الحديث لن يغير شيئًا، أو الخوف من آثار الاعتراض، أو عدم وجود جهة يثقون في قدرتها على الاستماع دون تحيز.
ماذا يفعل المستشار؟
يمكن أن يقوم المنصب المقترح على مجموعة محددة من المهام:
إنشاء منظومة للإنذار المبكر داخل الجامعة.
استقبال المؤشرات والشكاوى ذات الطبيعة المؤسسية وتحليلها.
رصد الملفات التي تتكرر بشأنها الشكاوى.
عقد جلسات استماع مع أطراف المشكلة عند الحاجة.
إعداد تقرير مخاطر دوري لرئيس الجامعة.
تقديم أكثر من سيناريو للتعامل مع الملفات الحساسة.
التنسيق مع مركز إدارة الأزمات والجهات المختصة.
متابعة تنفيذ قرارات رئيس الجامعة وقياس آثارها.
تحديد أسباب تكرار المشكلات بدلًا من الاكتفاء بعلاج كل واقعة منفردة.
رفع تنبيه مبكر عندما تظهر مؤشرات على إمكانية تحول المشكلة إلى أزمة.
ليس بديلًا عن التحقيق أو الشؤون القانونية
وفي المقابل، يجب أن تكون حدود المنصب واضحة.
فالمستشار لا يحل محل الشؤون القانونية، ولا جهات التحقيق، ولا مجالس التأديب، ولا آليات التظلم الرسمية، ولا يملك سلطة تعطيل القرارات.
وظيفته الأساسية هي الاستماع والتحليل والإنذار المبكر وتقديم البدائل.
كما أن استقلاله الوظيفي يمثل عنصرًا حاسمًا؛ لأن تحويله إلى مجرد عضو في دائرة المقربين من رئيس الجامعة سيقضي على الفكرة من أساسها.
كيف يُختار؟
إذا جرى تطبيق المقترح، فإن اختيار شاغل المنصب يجب أن يرتبط بالخبرة في الإدارة والحوكمة وإدارة الأزمات والتفاوض والاتصال المؤسسي، وليس بمجرد القرب من رئيس الجامعة.
كما ينبغي وضع قواعد واضحة لحماية سرية المعلومات ومصادر البلاغات، مع التمييز بين الشكوى الجادة والمعلومة غير الموثقة، وعدم تحويل المنصب إلى قناة للصراعات الشخصية داخل الجامعة.
النجاح بالأرقام
ويمكن قياس نجاح المستشار من خلال مؤشرات محددة، مثل:
زمن الاستجابة للمؤشرات الخطرة، وعدد المشكلات التي جرى احتواؤها قبل التصعيد، ونسبة تنفيذ التوصيات، وعدد الملفات المتكررة التي تم تحديد أسبابها، وعدد تقارير المخاطر التي رُفعت في مواعيدها، ومدى تحسن زمن معالجة الشكاوى المؤسسية.
بهذه الطريقة يتحول المنصب من لقب إداري جديد إلى وظيفة قابلة للقياس والتقييم.
رئيس الجامعة يحتاج إلى «الصورة الكاملة»
في النهاية، لا يحتاج رئيس الجامعة فقط إلى من يخبره بما حدث أمس، وإنما إلى من يستطيع أن يقول له بوضوح، وبناءً على بيانات ومعلومات موثقة:
«هذه المشكلة ما زالت صغيرة.. لكنها تتكرر، وهذه مؤشرات تصاعدها، وهذه أسبابها، وهذه البدائل المتاحة أمامك قبل أن تتحول إلى أزمة».
وهنا تصبح فكرة «مستشار رئيس الجامعة للحوكمة والحوار المؤسسي وإدارة الأزمات» جزءًا من منظومة وقائية أوسع، هدفها ألا تصل المشكلات إلى مرحلة الانفجار قبل أن تراها الإدارة.
فالجامعة التي تمتلك نظامًا حقيقيًا للإنذار المبكر لا تنتظر الأزمة كي تبدأ في إدارتها؛ وإنما تحاول اكتشاف جذورها وهي لا تزال قابلة للعلاج.









