رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

من مستشفى الدمرداش إلى الأدب الفرنسي.. قصة حياة قوت القلوب الدمرداشية

الكاتبة قوت القلوب
الكاتبة قوت القلوب الدمرداشية

في صفحات التاريخ المصري الحديث، تبرز أسماء نسائية تركت بصمات واضحة في مجالات العمل الخيري والثقافة والأدب، ومن بين هذه الأسماء قوت القلوب الدمرداشية، التي جمعت في حياتها بين الانتماء إلى أسرة ذات جذور صوفية وأرستقراطية، والانفتاح على الثقافة والفنون، والعمل الأهلي والخيري.

ولدت قوت القلوب عام 1892، وهي ابنة الشيخ عبد الرحيم الدمرداش، أحد شيوخ التصوف في مصر ومؤسس الطريقة الدمرداشية، وتنحدر أسرتها من أصول مملوكية قوقازية، وهو ما وضعها منذ نشأتها في بيئة اجتماعية وثقافية مميزة.

مستشفى الدمرداش.. إرث من العمل الخيري

ارتبط اسم قوت القلوب الدمرداشية بصورة وثيقة بالعمل الخيري، بعدما شارك والدها في توفير الأموال اللازمة لإنشاء المستشفى الخيري الذي حمل اسم مستشفى الدمرداش، والذي عُرف بتقديم العلاج للفقراء.

وبعد وفاة والدها، ورثت قوت القلوب ثروة كبيرة، وواصلت مسيرته في أعمال البر، ووفقًا للروايات المتداولة عنها، تبرعت للمستشفى بما يعادل 50 ألف جنيه ذهبًا، كما خصصت تبرعات سنوية لكلية الطب بجامعة عين شمس لدعم الأبحاث الطبية، ومن بينها الأبحاث التي أجراها الدكتور بول غليونجي في مجال الغدد الصماء.

ولم يتوقف عطاؤها عند المستشفى، إذ تبرعت أيضًا بألفي جنيه لإنشاء مكتبة طبية داخل مستشفى الدمرداش، كما فتحت مكتبتها الخاصة، التي ضمت نحو 8 آلاف كتاب، أمام طلاب الجامعة، وساندت عددًا من الطلاب لاستكمال تعليمهم.

كما ارتبط اسمها بأوقاف وأراضٍ قيل إن جزءًا منها دخل لاحقًا ضمن الأراضي التي قامت عليها جامعة عين شمس.

سيدة مجتمع وصاحبة صالون أدبي

لم تكن قوت القلوب مجرد سيدة أعمال خيرية، بل كانت أيضًا من الشخصيات النسائية المهتمة بالثقافة والأدب والفنون في مصر خلال النصف الأول من القرن العشرين.

كانت تهتم بالموسيقى والفنون والآداب، كما عُرفت بحبها للسفر، وكانت تقضي فترات من إجازاتها في أوروبا، خصوصًا في فرنسا والنمسا.

وفتحت منزلها أمام عدد من أبرز الشخصيات الثقافية والاجتماعية في عصرها، فتحول إلى صالون أدبي وثقافي استقبل رجال الأدب والفكر والفن، إلى جانب سيدات المجتمع، ليصبح اسمها مرتبطًا بالحياة الثقافية في تلك الفترة.

حياة شخصية غير تقليدية

عاشت قوت القلوب كذلك حياة شخصية اتسمت، وفق الروايات التي تناولت سيرتها، بقدر من الاستقلالية عن الأعراف الاجتماعية السائدة في عصرها.

فقد تزوجت من رجل كان أقل منها مكانة اجتماعية، واشترطت لنفسها حق العصمة، أي أن يكون لها الحق في تطليق نفسها متى شاءت، ولم يستمر الزواج طويلًا، وأنجبت منه أربعة أبناء، ثلاثة من الذكور وابنة، وحرصت على توفير تعليم جيد لهم.

من العمل الخيري إلى دعم الأدباء

امتد اهتمام قوت القلوب إلى الحركة الأدبية، فلم تكتفِ باستضافة المثقفين في صالونها، وإنما ساهمت في دعم الأدباء والشباب المبدعين.

وكانت تطبع بعض الكتب على نفقتها الخاصة، كما خصصت جوائز لتشجيع الموهوبين من الأدباء الشباب، ومن بين من استفادوا من هذا النوع من الدعم الأديب المصري نجيب محفوظ، الذي حصل في بداياته على جائزة أدبية بلغت قيمتها 20 جنيهًا، وفق ما تذكره الروايات المنشورة عن حياتها.

روائية مصرية تكتب بالفرنسية

في منتصف الأربعينيات من عمرها تقريبًا، اتجهت قوت القلوب إلى الكتابة الأدبية، واختارت اللغة الفرنسية للتعبير عن أعمالها.

وفي عام 1937 نشرت كتابها الأول باللغة الفرنسية عن دار المعارف، بعنوان «مصادفة الفكر»، وفي العام نفسه صدرت روايتها «حريم» عن دار غاليمار الفرنسية الشهيرة، وهي الدار التي ارتبط اسمها أيضًا بنشر أعمال أدبية عالمية بارزة.

وتعددت أعمال قوت القلوب الأدبية بعد ذلك، ومن بينها روايات «حريم» (1937)، و«زنوبة» (1947)، و«ليلة القدر» (1954)، و«رمزة» (1958)، و«حفناوي الرائع».

وترجمت بعض أعمالها إلى لغات أخرى، من بينها الإنجليزية والألمانية، وهو ما منحها حضورًا أدبيًا خارج مصر، بينما ظلت شهرتها محدودة نسبيًا في الأوساط العربية والمصرية، ويرتبط ذلك، بحسب بعض الروايات، باختيارها الكتابة بالفرنسية، التي كانت منتشرة بين قطاعات من الطبقة الأرستقراطية المصرية قبل ثورة يوليو.

النهاية في إيطاليا

مع قيام ثورة يوليو عام 1952، تغيرت الخريطة الاجتماعية والسياسية في مصر، وانعكست تلك التحولات على حياة كثير من أبناء الطبقة الأرستقراطية.

ورغم أن قوت القلوب كانت، وفق الروايات المتداولة، من المؤيدين للحركة الجديدة بين أبناء الطبقة الأرستقراطية، فإنها تعرضت لاحقًا لاتهامات بتهريب أموالها إلى الخارج، وقيل إن السلطات اتهمتها بتهريب نحو 100 ألف جنيه.

كما هُدم قصرها في ميدان التحرير، لتجد نفسها في نهاية المطاف أمام خيار مغادرة مصر، فهاجرت إلى إيطاليا، واستقرت هناك حتى لاقت نهاية مأساوية وهي فقيرة وطالبها ابنها مصطفى بأموال وتبادلوا الصرخات حتى انتهت صرختها وأغمضت عينيها للمرة الأخيرة عندما ضربها ابنها بكرسي خشبي، حتى يكون آخر مشهد في حياتها عندما ترى هذا الكرسي الخشبي يقترب منها، وذلك في العاصمة روما عام 1968.

وهكذا انتهت حياة سيدة جمعت في مسيرتها بين العمل الخيري والثقافة والأدب، وتركت وراءها إرثًا امتد من مستشفى الدمرداش ودعم التعليم والبحث العلمي، إلى الصالونات الأدبية وتشجيع الأدباء، وصولًا إلى أعمال روائية باللغة الفرنسية.

وتظل سيرة قوت القلوب الدمرداشية واحدة من القصص اللافتة في تاريخ المجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين، بما تحمله من تداخل بين العمل الأهلي والحياة الثقافية والتحولات الاجتماعية والسياسية التي شهدتها مصر.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء