رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

القاهرة تحتفي بالشعر الصيني.. إطلاق النسخة العربية من ديوان «من يسكن قلبي»

 إطلاق النسخة العربية
إطلاق النسخة العربية من ديوان «من يسكن قلبي»

شهدت القاهرة تنظيم فعالية «القراءة الأدبية المشتركة للشباب الدوليين – الموسم الصيني المصري»، في إطار تعزيز التبادل الثقافي والمعرفي بين الشباب المصري والصيني، والتعريف بالأدب الصيني من خلال ترجمته إلى اللغة العربية.

وتضمنت الفعالية حفل إطلاق النسخة العربية من ديوان الشعر «من يسكن قلبي» للشاعرة والناقدة الصينية البارزة خه شيانغ يانغ، نائب رئيس اتحاد الكتاب الصينيين، بترجمة وتقديم ميرا أحمد، والصادر عن دار غراب للنشر.

وشهد الحفل مشاركة الناشر حسن غراب، صاحب دارغراب للنشر، بالإضافة لوفد صيني يضم 14 شخصًا، من بينهم ممثل عن دار النشر الصينية، وعدد من أعضاء اتحاد الكتاب الصينيين، إلى جانب مجموعة من الطلاب المصريين من كلية الألسن بجامعة عين شمس، وعدد من المهتمين بالأدب والثقافة الصينية.

من يسكن قلبي 

وشكل إطلاق الديوان محورًا رئيسيًا للفعالية، باعتباره تجربة أدبية تنقل قصائد الشاعرة الصينية إلى القارئ العربي، وتتناول موضوعات إنسانية تتجاوز الحدود والثقافات، وفي مقدمتها الحب والأمل والحياة ومشاعر الإنسان في مواجهة الخسارة والألم.

ويحمل ديوان «من يسكن قلبي» رؤية شعرية تتأمل مفهوم الحب في تفاصيل الحياة اليومية، وتبحث عن معانيه في العلاقات الإنسانية والمواقف البسيطة، من حب الأسرة والصداقة إلى التعاطف مع الآخرين ومساندة من يواجهون الألم.

وفي كلمتها التي تصدرت النسخة العربية، قدمت المترجمة ميرا أحمد الديوان باعتباره رسالة إلى الأشخاص الذين أثقلتهم خسارات الحياة وأحلامها المؤجلة، مؤكدة أن الحب يمكن أن يكون مصدرًا للتعافي واستعادة الأمل، وأن الإنسان قد يجد معناه الحقيقي في قدرته على منح الحب للآخرين.

كما تضمنت الفعالية حلقة نقاش جمعت طلابًا وشبابًا من مصر والصين، بهدف فتح مساحة للحوار حول الأدب والشعر ودور الترجمة في تقريب الشعوب، إلى جانب تعزيز التفاعل الثقافي والمعرفي بين الجانبين.

ويأتي تنظيم الموسم الصيني المصري للقراءة الأدبية في القاهرة ليؤكد أن الأدب والشعر يمثلان لغة مشتركة قادرة على تجاوز اختلاف اللغات والثقافات، وفتح نوافذ جديدة للتواصل بين الشباب المصري والصيني.

وجاءت مقدمة الديوان المترجمة
شاعرة الحب

الشعر هو قنديل الإنسانية يشعله الشاعر بموهبته ويحمله إلى الناس، وهذا التفرد هو الذي يجعل الحياة تؤمن بموهبة هذا الشخص الذي يسير في الطريق ويتبعه الآخرون. والشعر الإيجابي يؤثر في النفس تأثيرًا إيجابيًا يسمو بها إلى الأخلاق الرفيعة ويرتقي بها فوق الأمور المادية، لما له من مكانة في القلوب والنفوس، كما أن الشاعر لا يشاطرنا الآلام فقط وينعزل في الأفراح، وإنما هو صديق رحلة حياة الإنسان بكل ما فيها من أشياء وتقلبات، فالشاعر الحق هو من يشعر الناس دومًا بأنه هو الأنيس، فلم تعد مهمة الشعر الوقوف على الأطلال أو المديح الزائف، إنما تحولت مهمة الشعر إلى الغوص في أعماق الحياة وسبر أغوار النفس البشرية، ولا بد أن يكون لدى الشاعر وعيٌ حقيقي بالماضي وقدرة على إلهام الحاضر ورغبة في بلوغ مستقبل أفضل.

عن الشاعرة "خه شيانغ يانغ" 

ولدت "خه شيانغ يانغ" في مدينة آنتشينغ بمقاطعة آنهوي عام 1966، شغلت من قبل نائب رئيس اتحاد الكتاب الصينيين بمقاطعة خنان ورئيس معهد الدراسات الأدبية بجامعة خنان للعلوم الاجتماعية، وتشغل حاليًا منصب نائب رئيس اتحاد الكتاب الصينيين وأمين أمانة اتحاد الكتاب الصينيين ورئيس هيئة البحوث الإبداعية. كانت من أوائل المرشحات لبرنامج المواهب "الأربع دفعات" في منظومة الدعاية والثقافة الوطنية في الصين. حصلت على درجة الماجستير في الأدب الصيني من قسم الآداب واللغة الصينية بجامعة تشنغتشو عام 1991، ولها باعٌ طويل في المجال البحثي الأدبي والثقافي.

حصدت العديد من الجوائز الأدبية الرفيعة مثل جائزة لوشون في دورتها الثانية وجائزة فنغ مو في دورتها الثانية وجائزة الإنجاز المتميز للشباب في العلوم الاجتماعية في دورتها الثانية وجائزة تشوانغ تشونغ ون في دورتها التاسعة، وجائزة بينغ شين في الأدب، كما حازت ست مرات على جائزة حكومة مقاطعة خنان للإنجاز المتميز للشباب في الآداب والفنون، وجائزة الإنجاز المتميز في العلوم الاجتماعية. وفي عام 2006 منحها الاتحاد النسائي الصيني لقب "الرائدة الوطنية في يوم المرأة" (الثامن من مارس).

صدر لها العديد من الدواوين الشعرية مثل: "الرداء الأزرق"، و"القيثارة المزخرفة"، و"لحظات عابرة"، و"أشياء من الماضي"، وأعمال نثرية مثل: "أحلام وخيول"، و"جبال وأنهار"، و"يوميات مسافر"، و"ريح على الكتفين"، وفي النظريات الأدبية: "قصص على الطريق"، "مشاهد وشخصيات"، و"تلك الذرة الرفيعة"، و"تدوينات قوس قزح" وغيرها من الأعمال الأخرى.

عندما نذكر اسم خه شيانغ يانغ يتبادر إلى أذهان معظم الناس أنها ناقدة أدبية حائزة على العديد من الجوائز فقط، لكن قلما يلحظ أحدٌ أنها تكتب الشعر بانتظام من عقود، وفي الوقت الذي يميل الشعراء إلى اللغة الفخمة والرصينة نجدها هي تميل إلى الهدوء والرقة والعذوبة كأن قصائدها أحاديثٌ ودية على ضفاف النهر ساعة الغروب، وتكشف قصائدها أن ثمة كلمات بسيطة تخفي وراءها أفراحًا وأتراحًا وتجارب الناس العاديين.  
تكشف قراءة جميع قصائدها أن الموضوع الرئيس الذي يربطها كلمة واحدة وهي "الحب". في فترة شبابها كان موضوع قصائدها الإعجاب البرئ والتطلعات المثالية وقت الجامعة بأفكارها النقية، وعند بلوغها منتصف العمر اتسع نطاق هذا الشعور ولم يعد مقتصرًا على الحب الرومانسي البرئ بل انطوى أيضًا على دفء العائلة والتعاطف مع النباتات والأشجار من حولها، وعند رؤيتها للناس العاديين والكائنات الضعيفة في الشارع يتدفق داخلها شعورٌ بالتعاطف بشكل تلقائي من كلماتها، لا تطلق الشعارات الرنانة بل تدمج هذه الرقة وهذا اللطف في المشاهد اليومية ليتشكل في النهاية فهمها الشعري الخاص، فإن المشاعر الجياشة والعميقة التي تغمر قصائدها بشأن فضائل الخير ترتقي بمفهوم "الحب" في شعرها إلى مستوى أسمى من الجمال. باختصار على مدى أكثر من أربعين عامًا، يتجلى "الحب" الذي قدمته خه شيانغ يانغ للقراء في نصوص قصائدها وهو تنوع كامل ومتعدد الأوجه لمفهوم "الحب".

يكمن الفرق الأكبر بينها وبين الشعراء العاديين في خلفيتها في النقد الأدبي، مما يضفي على شعرها حسًا من التأمل العقلاني. يكتب الكثير من الشعراء الشعر لمجرد التعبير عن مشاعرهم، فيُسهبون في المديح عند الفرح ويُطيلون الشكوى عند الحزن، لكن خه شيانغ يانغ تُجيد ضبط مشاعرها فلا تُفيض بفرحها أو حزنها. ديوانها "لحظات عابرة" هو مجموعة قصائد قصيرة كتبتها خلال أصعب فترات مرضها وفقدانها لأحد أحبائها، يتألف الديوان بالكامل من جُمل قصيرة من دون رثاء مطول. تكتب بصراحة عن معاناتها الجسدية وندمها الداخلي ثم تتعلم كيف تتصالح مع زوال الحياة مستخدمة الشعر كوسيلة للوصول إلى التنوير الذاتي، وفي نظرها المعاناة ليست وسيلة لاستدرار التعاطف، بل هي اختبارٌ يساعدها على فهم ذاتها الحقيقية. علاوة على ذلك فإن الذات التي تصوّرها لا تغرق أبدًا في المشاعر التافهة. في فترة شبابها عبّر شعرها عن حيرتها وأشواقها؛ وبعد منتصف العمر اتسعت آفاقها بشكل كبير لتعبر عن تجاربها الشخصية وتتجاوز حدودها لتشهد معاناة عدد لا يحصى من الناس العاديين، ومن خلال كتابتها عن رحلتها الشخصية تعكس التشابكات والتعقيدات التي يمر بها جميع البشر.  

صرحت ذات مرة قائلةً:"أعتقد أنه يجب أن يكون لي لقب وهو "الشاعرة الناقدة"، فكتابة الشعر لها تأثير كبير على كتاباتي النقدية، وأريد أن أجعلها أكثر حيويةً ووضوحًا وسهولةً في الفهم، قد يكون هذا هو الفرق بين النقد الأدبي والنقد الأكاديمي؛ لأن جمهور كتاباتك هم محبو الأدب".
إن الخيال الحر في أسلوب الكتابة جعل من النقد الأدبي لدى خه شيانغ يانغ عمليةً من إعادة الإبداع ذات طابع وجداني في كثير من الأحيان، فهي تتمتع بأفق واسع وفكر متقد ومنهج أكاديمي رصين مما مكنها من المزج بين الحس الفني المرهف والتأمل العقلي العميق، فأكسب نصوصها النقدية ثراءً إنسانيًا واضحًا.  

"لا يمكن أن ندع شعلة روحنا تذبل بين أيدينا بل ينبغي أن نجعلها دومًا متوهجة عبر الأجيال." خه شيانغ يانغ.

بالنظر إلى شعراء الثمانينيات والتسعينيات، نجد أن الكثيرين منهم اعتادوا أسلوب كتابة صاخبًا، تحمل كلماتهم نبرة مواجهة قوية، لكن خه شيانغ يانغ لطالما كتبت بأسلوب رقيق وهادئ حتى عندما تتناول مظالم النساء ومعاناتهن لا تلجأ إلى الاتهامات الحادة، بل تُحرك مشاعر القراء من خلال الصمود الكامن في كلماتها. يصفها آخرون بأنها قوة لطيفة سلمية ظاهريًا، لكنها في جوهرها تتمتع بصلابة لا تقهر حتى عندما تكتب عن الفراق والمرض لا تترك روحها لليأس تاركةً دائمًا أثرًا من الدفء، فهي تفضل الجُمل القصيرة والموجزة، لا سيما في مجموعتها الشعرية "لحظات عابرة"، حيث لا تتجاوز كل قصيدة بضعة أسطر تُجسد بدقة شعورًا عابرًا مما يُعزز تأثيرها، وتوظف ببراعة مفردات تقليدية موجزة وتتحاشى التلميحات المبهمة، مما ينتج عنه تجربة قراءة عميقة وسلسة في آنٍ واحد. تكشف نظرة سريعة على قصائدها عن صور متكررة لمشاهد هادئة كالمياه الرقراقة والغسق والنباتات وضوء المصباح متجنبةً الصور المبالغ فيها. علاوة على ذلك، تتضمن هذه المجموعة صورًا فوتوغرافية التقطتها بنفسها لمناظر طبيعية؛ فضفاف الأنهار المفتوحة والمياه الراكدة المقترنة بأبيات شعرية قصيرة تثير شعورًا بالوحدة والتأمل وهو جانب مبتكر في أعمالها.

قصائدها عميقة وتأملية تتناول مباشرة قضايا الحياة والموت، وبعد أن جمعت أربعين عامًا من العمل الإبداعي في ديوانها "أشياء من الماضي" اتسعت رؤيتها تمامًا، فدمجت أفراحها وأحزانها الشخصية على مدى عقود في نسيج الزمن واكتسبت تعاطفًا أعمق، وأعادت اكتشاف الشغف الأول الذي انتابها حين أمسكت قلمها لأول مرة لتكتب الشعر. وعلى مر السنين أصبح الشعر بمثابة مذكرات روحها المكتوبة بخط يدها، تسجل تقلبات حياتها وتقدم بعض العزاء للقراء الذين يعانون ويتألمون، فالعديد من القصائد المتداولة اليوم إما أنها تُثقل كاهل القارئ بلغة مزخرفة جوفاء أو أنها تفرغ طاقة سلبية، تاركة إياه في حالة من الكآبة، بينما شعر خه شيانغ يانغ يقع في مكان ما بين هذين النقيضين؛ إذ يجمع بين التأمل الهادئ والدفء الرقيق حيث تبدأ بمشاهد صغيرة لتنقل دروسًا عميقة في الحياة متجنبة الإثارة والحيل، مستخدمة لغة صادقة وبسيطة لتروي قصصًا عن الحب والاستشفاء الذاتي والتسامح. في بيئة أدبية سطحية كهذه يتمتع أسلوبها الكتابي الرقيق والقوي في آنٍ واحد بقيمة فريدة، مما سمح لها برسم مسارها الخاص بين الشاعرات الصينيات المعاصرات. 
"الشعر بمثابة سجلي الشخصي فأنا أكتب الشعر كمذكرات." خه شيانغ يانغ

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء