أحمد رفعت: الصين لا تنسى لمصر موقفها التاريخي في الاعتراف بها
قالت الإعلامية معتزة مهابة، في حلقة خاصة من برنامج «مواجهات» تناولت زيارة الرئيس الصيني إلى مصر، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي والرئيس الصيني شي جين بينغ كتبا مقالين في جريدة «الأهرام»، استشهد خلالهما الرئيس الصيني بمواقف التضامن المتبادلة بين مصر والصين خلال القرن الماضي، وذكر تحديدًا قناة السويس ومقعد مجلس الأمن.
وطرحت معتزة مهابة سؤالا على الكاتب الصحفي أحمد رفعت حول ما إذا كان هذا الإرث التاريخي قد أسس لثقة سياسية متبادلة بين البلدين على مدار عقود طويلة.
وفي هذا السياق، أوضح أحمد رفعت أن ما حدث بعد عام 1956 وحتى عام 2014 يوضح حجم التحولات في العلاقات المصرية مع القوى الكبرى، لافتا إلى مواقف زعماء مصر الذين كانوا موجودين خلال تلك الفترات.
من علاقات قوية مع الشرق إلى التقارب مع الولايات المتحدة
أشار رفعت إلى أنه في الخمسينيات والستينيات كانت هناك علاقات قوية جدًا مع الشرق كله، وليس فقط الصين، موضحًا أن مصر كانت تجمعها علاقات قوية مع الصين وروسيا، وكان ذلك، بطبيعة الحال، على حساب العلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية.
وأضاف أن العكس حدث في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات، حيث أصبحت هناك علاقة قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية على حساب العلاقة مع روسيا والصين.
وأوضح أنه في عام 2014 جاء الرئيس عبد الفتاح السيسي ليعيد التوازن إلى هذه العلاقات.
وأشار إلى أن الجميع يتذكر زيارة الرئيس السيسي لمقر وزارة الدفاع الروسية بالزي العسكري، ثم زيارة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمصر، والعشاء الشهير في برج القاهرة، مؤكدًا أن لكل هذه التحركات دلالتها.
2014.. رفع العلاقات المصرية ـ الصينية إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية
ولفت رفعت إلى أن الأبرز في موازاة هذه الزيارة كان الاتفاق المصري ـ الصيني لتطوير العلاقات ورفعها إلى مستوى العلاقات الاستراتيجية.
ومنذ ذلك الوقت، بدأت مرحلة جديدة من تطوير العلاقات بين البلدين، وهو ما يجعل المقالين اللذين كتبهما الرئيسان، بحسب رفعت، يصفان الواقع بشكل حقيقي.
وأكد أن مصر دعمت الصين واعترفت بها وفتحت لها بابا، موضحا: «مش بس فتحنا باب باعتراف العالم الثالث، لكن كمان الصين كانت داعمة لكل القضايا العربية».
الصين ومواقفها الداعمة لمصر والقضايا العربية
وأشار إلى أن الصين كانت داعمة لمصر في حرب 1956، وفي حرب 1967، وفي حرب أكتوبر 1973، وكذلك خلال الأزمات العربية المختلفة.
وأوضح أن هذا التقارب المصري ـ الصيني يظهر في مواقف البلدين من عدد من أزمات المنطقة، قائلًا إن من يتابع موقف الصين من الأزمة السورية سيجد أنه قريب من الموقف المصري.
وكذلك في أزمات أخرى، بحسب رفعت، يمكن ملاحظة تقارب الموقف الصيني مع الموقف المصري، وكذلك الأمر بالنسبة لرؤية الصين للأمن في البحر الأحمر، والتي يجدها قريبة من رؤية مصر.
وأشار أيضا إلى موقف الصين خلال حرب الخليج، رغم طبيعة العلاقات الصينية ـ الإيرانية.
العلاقات الصينية ـ الإيرانية والتقارب في المواقف
وأوضح رفعت أن العلاقات الصينية ـ الإيرانية قوية، مشيرًا إلى وجود حديث علني عن تبادل تجاري يبلغ عشرة مليارات دولار أو تسعة مليارات وتسعمائة مليون دولار.
لكنه لفت إلى أن التبادل التجاري غير المنظور، إذا جرى احتسابه، يتحدث عن رقم يصل إلى نحو 31 مليار دولار بسبب البترول، حيث تتحدث التقديرات عن مليون وأربعمائة ألف برميل يوميًا.
وبالتالي، فإن التبادل التجاري بين الصين وإيران يتجاوز 40 مليار دولار، ومع ذلك، نجد أن موقف الصين قريب من الموقف المصري، إذ يتحدث الطرفان عن ضرورة الحوار وضرورة التفاوض والابتعاد عن استخدام القوة المسلحة.
التدريب العسكري المصري ـ الصيني ورسائله
وانتقل الحوار إلى التقارب في المواقف الصينية والمصرية فيما يخص القضايا الموجودة في المنطقة العربية، وكذلك إلى التعاون العسكري بين البلدين.
وكان المتحدث العسكري قد أعلن خلال الأسبوع الماضي عن تنفيذ تدريب جوي مصري ـ صيني مشترك، هو «نسور الحضارة 2026» في نسخته الثانية، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، وذلك على مدار عدة أيام.
وفي هذا السياق، طُرح تساؤل حول ما إذا كان هذا التدريب الجوي العسكري تدريبًا روتينيًا عاديًا، أم أنه يحمل رسائل محددة ومعينة، خاصة مع وجود أوجه أخرى للتقارب، من بينها الأسبوع الثقافي للأفلام الصينية في القاهرة.
وأكد أحمد رفعت أن التدريب يحمل رسائل كثيرة، لكنه مهّد للإجابة بالإشارة إلى أن التعاون العسكري يمثل قمة التعاون بين أي بلدين.
التعاون الثقافي والشعبي بين مصر والصين
وأوضح رفعت أن التعاون العسكري لم يأتِ من فراغ، وإنما سبقه تعاون ثقافي وشعبي واقتصادي واسع.
وأشار إلى وجود المركز الثقافي الصيني، وتنظيم أسبوع للسينما الصينية، مؤكدًا أن السينما الصينية موجودة في مصر منذ فترة وليست ظاهرة جديدة.
كما أشار إلى وجود الجامعة الصينية والتعليم الصيني في مصر، الذي بدأ يدخل مصر وينتشر، إلى جانب الحضور الثقافي والشعبي الصيني في مصر، والاستقبال المصري لهذا الحضور.
وضرب مثالًا بالمطاعم الصينية، موضحًا أن الأمر لم يعد مقتصرًا على السياح الصينيين فقط، وإنما أصبح المصريون أيضا زبائن للمطاعم الصينية، التي قامت بتعديل بعض الأطعمة لتتناسب مع الذوق المصري.
8 آلاف مصري في الصين وحضور متبادل بين الشعبين
وأشار رفعت إلى وجود نحو 8 آلاف مصري في الصين، متسائلا عما يقومون به هناك، وهل هم مستثمرون، أو يعملون في المصانع الصينية، أو يدرسون.
وأكد أن رقم 8 آلاف مصري في الصين ليس رقما قليلا، مشيرًا في الوقت نفسه إلى أن السياحة الصينية إلى مصر، وكذلك تدريس اللغة الصينية، يمثلان جانبًا آخر من جوانب الحضور المتبادل بين البلدين.
وأوضح أن اللغة الصينية يتم تدريسها بالفعل في الجامعات المصرية، مشيرًا إلى وجودها في أقسام اللغات الشرقية بكلية الآداب، وكذلك في عدد من الجامعات الخاصة.
السياحة الصينية.. 150 مليون سائح سنويا
وتطرق الحوار إلى السياحة الصينية، التي وصفها رفعت بأنها ذات رقم ضخم، موضحا أن نحو 150 مليون صيني يخرجون من الصين سنويا للسياحة، أي ما يقرب من 10% من السكان تقريبًا.
وأشار إلى أن الصين أصبحت ثاني أكبر دولة من حيث عدد السكان بعد الهند، وبالتالي فإن خروج 150 مليون صيني سنويًا للسياحة يمثل رقما ضخما للغاية.
وأوضح أن حصة مصر من السياحة الصينية كانت في السابق تتراوح بين 30 و60 ألف سائح فقط، وهو ما وصفه بأنه رقم هزيل.
وأضاف أنه بفضل جهود كثيرة خلال السنوات الماضية، ارتفع العدد إلى نحو 360 ألف سائح، فيما كان القنصل الصيني في الإسكندرية يتحدث عن إمكانية وصول العدد إلى 350 أو 370 ألف سائح صيني.
السائح الصيني الأعلى إنفاقا
وأكد رفعت أن السائح الصيني مشهور عالميا بارتفاع معدل إنفاقه، مشيرًا إلى أن هناك جنسيات شهيرة تأتي إلى مصر بأعداد كبيرة، لكن السياحة الصينية، وفق المعادلات السياحية، يصل إنفاقها إلى نحو أربعة أضعاف هذا الإنفاق.
ومن هنا طُرح تساؤل حول الحلقة المفقودة التي يمكن أن تجعل مصر وجهة سياحية أولى للصينيين، خاصة مع وجود نحو 150 مليون صيني يجوبون العالم كسياح سنويًا.
الدعاية السياحية لمصر داخل الصين
وأوضح رفعت أن الحل يكمن في أن تصل الدعاية السياحية إلى الشعب الصيني، وأن يتم شرح مزايا السياحة في مصر له.
وأشار إلى أن مصر تواجه في الوقت نفسه مشكلة أخرى، تتمثل في الحديث المستمر عن الوصول إلى 30 مليون سائح خلال السنوات المقبلة.
وقال إن الحديث عن هذا الرقم بهذه الصورة ليس كلامًا علميًا، لأن الوصول إلى 30 مليون سائح يتطلب تطوير المطارات بشكل أكبر، وزيادة أعداد الفنادق.
وأوضح أن آخر الإحصائيات تتحدث عن نحو 242 ألف غرفة سياحية، متسائلًا عن كيفية استقبال 30 مليون سائح بهذه الطاقة الفندقية، في الوقت الذي تستقبل فيه هذه الطاقة نحو 17 مليون سائح.
وأضاف أنه للوصول إلى 30 مليون سائح، يجب أن يتضاعف عدد الغرف السياحية، وهو ما يحتاج إلى تكلفة تصل إلى 20 مليار دولار.
القطاع الخاص ودوره في زيادة الطاقة السياحية
وأكد رفعت أن الدولة وحدها لن تستطيع تحمل هذه التكلفة، ولذلك تشجع الدولة القطاع الخاص على الدخول في مجال السياحة، كما تتخلى عن إدارة عدد من الفنادق، حتى يتسع القطاع وتتمكن مصر من الوصول إلى هدف استقبال 30 مليون سائح.
وأشار إلى أن وصول حصة مصر من السياحة الصينية خلال سنوات قليلة إلى نحو 370 ألف سائح صيني يمثل، في تقديره، قفزة مهمة.
وأكد أن الطموح يجب أن يكون أكبر، وأن العدد يجب أن يتضاعف، موضحا أنه حتى الوصول إلى ثلاثة ملايين سائح صيني سيكون رقما قليلا مقارنة بإجمالي 150 مليون صيني يسافرون سنويا.
وشدد على ضرورة أن تتمكن مصر من شرح مزايا السياحة المصرية للشعب الصيني، حتى تزيد حصة مصر من هذا السوق السياحي الضخم.
من التعاون الثقافي والسياحي إلى التعاون الاقتصادي
وعاد رفعت إلى التأكيد على أهمية النظر إلى الصورة الكاملة للعلاقات المصرية ـ الصينية، قائلًا إن العلاقات الثقافية والسياحية والاقتصادية تمثل جميعها حلقات متصلة تقود في النهاية إلى الحديث عن قمة التعاون، وهي التعاون العسكري.
وأوضح أن التعاون الاقتصادي بين مصر والصين وصل العام الماضي إلى نحو 21 مليار دولار في حجم التبادل التجاري بين البلدين، معتبرًا أن هذا الرقم كان في السابق من الأرقام التي تبدو بعيدة المنال.
وأشار إلى أنه في منتصف عام 2026، أو مع إغلاق أرقام العام، يبدو أن البلدين سيحققان تقريبا الرقم نفسه.
وأوضح أن الصادرات المصرية إلى الصين تدور في حدود 900 مليون دولار، في مقابل واردات من الصين تتجاوز ذلك بفارق كبير.
وأكد أهمية العمل على زيادة الصادرات المصرية إلى الصين، وعلى الأقل السعي إلى تحقيق قدر أكبر من التوازن في التبادل التجاري بين البلدين.
الشركات الصينية ومشروعات كبرى في مصر
وأشار رفعت إلى أن الشركات الصينية موجودة بالفعل في عدد من المشروعات المهمة في مصر، ومنها مشروعات العاصمة الإدارية الجديدة، إلى جانب بعض الإنشاءات المهمة والأبراج وغيرها من المشروعات.
كما أشار إلى مشاركة الصين في مشروع القطار الكهربائي، الذي يبلغ طوله نحو 110 كيلومترات.
وأضاف أن العلاقات الاقتصادية لا تتوقف عند الإنشاءات، وإنما تشمل ملفات أخرى مهمة، من بينها الذكاء الاصطناعي، والتبادل والتصنيع، وكذلك المنطقة الصناعية.
التعاون العسكري لم يأتِ صدفة
وأكد رفعت أن التعاون العسكري بين مصر والصين لم يأتِ صدفة، وإنما جاء بعد أن جرى بناء قاعدة واسعة من التعاون بين البلدين في المجالات الثقافية والسياحية والاقتصادية وغيرها.
وفي ظل التوقيت الحالي والأزمات التي تمر بها منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا ما يتعلق بالممرات الملاحية، عاد التساؤل حول ما إذا كانت هناك رسائل محددة أو معينة يحملها التعاون العسكري والتدريبات المشتركة.
وأكد رفعت أن هناك بالفعل رسائل مهمة، موضحًا أن التدريب العسكري المشترك ليس مجرد استعراض أو مناورة عابرة.
التعاون العسكري المصري ـ الصيني يتجاوز استعراض الأسلحة
وأوضح أن التعاون العسكري الصيني ـ المصري كبير جدًا، أو على الأقل يشهد تناميًا مستمرًا، متسائلا عما إذا كان هذا التعاون قد توقف عند مسألة استعراض أو استيراد الأسلحة.
وأجاب بأن مصر تستهدف أن يتم توطين التكنولوجيا الصينية، سواء المدنية أو العسكرية، داخل مصر.
وأكد أن مصر بالنسبة للصين تمثل قناة السويس، ومفتاح أفريقيا، وسوقًا كبيرًا، وممرًا بين القارات الثلاث: أفريقيا وآسيا وأوروبا، كما كان يتم تعليم الطلاب قديمًا في المدارس.
الصين بالنسبة لمصر.. التكنولوجيا والاستثمار والقوة الاقتصادية
في المقابل، أوضح رفعت أن الصين بالنسبة لمصر تمثل التكنولوجيا، فضلًا عن الاستثمارات الضخمة والحضور لدولة عظمى لها ثقل كبير، إلى جانب الولايات المتحدة، وعملاق اقتصادي ضخم.
وأشار إلى أن الصين تحتل المرتبة الثانية عالميًا بعد الولايات المتحدة، وأنها تمثل نحو 19% من الناتج الإجمالي العالمي.
كما أشار إلى امتلاك الصين أكبر احتياطي نقدي في التاريخ، يصل إلى نحو 3.5 تريليون دولار، فضلًا عن صادرات ضخمة للغاية، ووجود فائض تجاري هائل يصل إلى نحو 1.2 تريليون دولار.
وأكد أن الصين تمثل عملاقا اقتصاديا ضخما، وأن التعاون معها بالنسبة لمصر، سواء اقتصاديا أو عسكريا، مع السعي إلى نقل التكنولوجيا العسكرية وتوطين الصناعة العسكرية داخل مصر، يمكن أن ينقل العلاقات إلى درجة التعاون الاستراتيجي الحقيقي.
المناورات العسكرية رسالة على عمق التعاون
وأوضح رفعت أن الوصول إلى هذه الدرجة من التعاون الاستراتيجي يجعل المناورات العسكرية المشتركة واحدة من الإشارات المهمة التي تؤكد طبيعة هذا التعاون.
وقال إن الرسالة الموجهة إلى العالم من خلال هذه المناورات هي أن العلاقات العسكرية بين مصر والصين وصلت إلى مرحلة عميقة جدًا.
وأضاف أن جزءًا من التعاون يتعلق بتدريب الطيارين، كما أن هناك حديثا عن شراء طائرات عسكرية صينية، مثل «J-20» وغيرها، وهو ما يعكس اتساع نطاق التعاون العسكري بين البلدين وتطوره إلى مستويات تتجاوز مجرد التدريبات المشتركة.



