مخاوف من تكرار سيناريو 2019.. الحرس الثوري يستنفر قواته في إيران
كشفت التحركات الأمنية والتدريبات المكثفة التي يجريها الحرس الثوري الإيراني عن استعدادات تتجاوز مجرد الاستنفار التقليدي تحسبًا لاندلاع احتجاجات محتملة، إذ تشير تصريحات قادة الحرس إلى توجه نحو تطوير وحدات هجومية سريعة يمكن نقلها خلال فترة قصيرة من طهران إلى أي منطقة تشهد اضطرابات أو احتجاجات شعبية.
وتأتي هذه التحركات في ظل مخاوف متزايدة لدى السلطات الإيرانية من تجدد الاحتجاجات الداخلية، خاصة مع تصاعد الضغوط الاقتصادية وارتفاع أسعار بعض السلع والخدمات الأساسية، بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع معدلات التضخم.
وحدات سريعة للانتشار في مختلف أنحاء إيران

وكشف قائد فيلق «محمد رسول الله» التابع للحرس الثوري في طهران، العميد حسن حسن زاده، خلال تدريب لوحدات العمليات الخاصة في 10 سبتمبر، أن قواته باتت تمتلك فرقًا ووحدات وتشكيلات قادرة على تنفيذ عمليات سريعة والانتقال إلى «أي نقطة في البلاد».
ورغم أن حسن زاده قدم هذا التطور في إطار الاستعداد لمواجهة التهديدات الخارجية، فإن معهد دراسة الحرب ومشروع التهديدات الحرجة قرآ التدريبات بصورة مختلفة، واعتبرا أنها تعكس توجه الحرس الثوري إلى رفع جاهزية وقدرة قوات مكافحة الشغب وقمع الاحتجاجات على الانتشار السريع، في ظل مخاوف النظام من عودة الاضطرابات الداخلية.
وتنبع أهمية هذا التطور من طبيعة القوة التي تقف وراءه، إذ يتولى فيلق «محمد رسول الله» مسؤولية العاصمة طهران، وتعمل تحت مظلته تشكيلات تابعة لقوات الباسيج، من بينها كتائب «الإمام علي» و«فاتحين»، وهي وحدات سبق استخدامها في التعامل مع موجات احتجاجية شهدتها إيران.
الحرس يطور آلية التعامل مع الاحتجاجات
ولا يقتصر التغيير الجاري على زيادة أعداد العناصر الأمنية، وإنما يمتد إلى طريقة استخدامها وانتشارها على الأرض.
فبدلًا من اعتماد كل محافظة بصورة أساسية على قواتها الأمنية وقوات الباسيج المحلية، تشير التدريبات الأخيرة إلى بناء قدرة احتياطية مركزية يمكنها تعزيز أي منطقة بصورة سريعة، عندما تتجاوز الاحتجاجات قدرة الأجهزة الأمنية المحلية على احتوائها.
ويدعم هذا التوجه تصريحات حسن زاده نفسه في مايو الماضي، عندما أعلن عقب مناورة استمرت خمسة أيام أن قواته أصبحت مستعدة لتنفيذ عمليات «في أي نقطة» وفي أقصر وقت ممكن.
وشاركت في تلك التدريبات الفرقة 27 محمد رسول الله، ولواء أمن، ووحدات «فاتحين»، إلى جانب استخدام قوات راجلة ودراجات نارية ومركبات وأسلحة وطائرات مسيرة، بما يعكس طبيعة التحول نحو وحدات أكثر قدرة على الحركة والانتشار السريع.
313 ألف عنصر في طهران
وتستعد السلطات الإيرانية لاختبار أكبر لهذه القدرات من خلال مناورة «جانفدا» للأمن الداخلي، التي أعلن الحرس الثوري أنها ستتضمن تعبئة نحو 313 ألف عنصر في محافظة طهران.
وأفادت وسائل إعلام إيرانية بأن التحضير للمناورة جرى خلال اجتماع مشترك بين قيادات الحرس الثوري والشرطة، بهدف تعزيز مستوى التنسيق بين المؤسستين، ومراجعة العمليات المشتركة، ووضع خريطة للمهام الأمنية المرتقبة في العاصمة.
ويرى مشروع التهديدات الحرجة أن اختيار هذا العدد الضخم للمشاركة في المناورة يحمل رسالة داخلية تتجاوز الأهداف التدريبية، ويهدف إلى إظهار قدرة النظام الإيراني على تنفيذ تعبئة أمنية وجماهيرية واسعة، خصوصًا أن الإعلان عنها جاء بالتزامن مع استعداد السلطات لاحتمال تجدد الاحتجاجات.
ارتفاع أسعار البنزين يعيد ذاكرة احتجاجات 2019
وجاءت هذه التدريبات والتحركات الأمنية في توقيت شديد الحساسية بالنسبة للسلطات الإيرانية، بعدما رفعت الحكومة في سبتمبر سعر البنزين المستخدم بعد استنفاد الحصص المدعومة بنسبة 100%، من 50 ألف ريال إلى 100 ألف ريال للتر، في وقت تعاني فيه البلاد أزمة اقتصادية وتضخمًا مرتفعًا وتراجعًا في القدرة الشرائية.
وقبل بدء تطبيق السعر الجديد، ظهرت قوات الشرطة والوحدات الخاصة والباسيج بالقرب من محطات الوقود وفي شوارع عدد من المدن الإيرانية، بينها طهران ومشهد وشيراز وأصفهان وتبريز وكرج وعبادان وخرم آباد، بينما تحدثت تقارير عن تباطؤ في خدمة الإنترنت ببعض المناطق.
ولا تتعامل السلطات الإيرانية مع أسعار البنزين باعتبارها قرارًا اقتصاديًا عاديًا، في ظل التجربة السابقة التي خلفتها زيادة الأسعار في نوفمبر 2019، عندما اندلعت احتجاجات واسعة امتدت سريعًا إلى عشرات المدن، وانتهت بحملة قمع دامية.
إيران تواجه ضغوطًا اقتصادية متزايدة
وتأتي الزيادة الجديدة في أسعار البنزين في وقت تبدو فيه البيئة الاقتصادية الإيرانية أكثر هشاشة، مع مواجهة البلاد نقصًا في الوقود واضطرارها خلال العام الماضي إلى استيراد بنزين بقيمة تقارب 2.9 مليار دولار، بينما وصلت معدلات الاستهلاك إلى مستويات تتجاوز قدرة الإنتاج المحلي.
وتكشف مقارنة هذه التحركات أن السلطات الإيرانية لا تنتظر بالضرورة اندلاع الاحتجاجات حتى تبدأ في نشر قواتها وتعزيز استعداداتها الأمنية.
فالانتشار حول محطات الوقود سبق تطبيق السعر الجديد، بالتزامن مع تدريبات لقوات سريعة الحركة والاستعداد لتعبئة مئات الآلاف من العناصر في طهران، بما يشير إلى محاولة بناء قدرة أمنية قادرة على التدخل السريع في حال انتقال الاحتجاجات من منطقة إلى أخرى.
تغير في عقيدة الحرس الثوري
وفي تعليقه على هذه التطورات، يرى الباحث المتخصص في الدراسات الأمنية والاستراتيجية عامر السبايلة أن التحولات التي طرأت على البيئة المحيطة بإيران تفرض تغييرًا في عقيدة الحرس الثوري، بعد تعرض الجبهات الخارجية التي شكلت لسنوات ركيزة أساسية في استراتيجيته لضربات كبيرة.
وقال السبايلة إن شبكة حلفاء طهران الإقليميين تعرضت بدورها لتغيرات كبيرة، ولم يتبق منها سوى أجزاء من الفصائل العراقية والحوثيين، وهو ما يفرض على الحرس الثوري إعادة تقييم أولوياته الأمنية والاستراتيجية.
وأضاف أن أدبيات الحرس الثوري لم تعد قادرة على الاستناد بالطريقة السابقة إلى فكرة التمدد الإقليمي، خصوصًا أن طبيعة المواجهة الحالية وضعت إيران أمام ضغوط مختلفة لا تقوم بالضرورة على حرب مباشرة، وإنما تستهدف تعميق أزمتها ونقل مركز الضغط بصورة أكبر إلى الداخل الإيراني.
وتشير مجمل هذه التطورات إلى أن الحرس الثوري يرفع مستوى جاهزيته للتعامل مع أي موجة اضطرابات محتملة، عبر تطوير قوات سريعة الانتشار وتعزيز التنسيق مع الشرطة وتوسيع نطاق المناورات الأمنية، في وقت تواجه فيه إيران ضغوطًا اقتصادية وأمنية متزامنة قد تزيد من حساسية الشارع تجاه القرارات الحكومية الجديدة.





