معتزة مهابة: زيارة الرئيس الصيني للقاهرة تتجاوز البروتوكول
في حلقة خاصة من برنامج “مواجهات” بمناسبة زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة ولقائه بالرئيس عبد الفتاح السيسي، فتحت الإعلامية معتزة مهابة ملف العلاقات المصرية ـ الصينية، في ظل تحديات إقليمية معقدة ومحيط يعيش حالة من الاستقطاب الحاد جراء الصراع الإيراني ـ الأمريكي ـ الإسرائيلي.
وتأتي زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة لتطرح تساؤلات تتجاوز فكرة البروتوكول، خاصة أنها تتزامن مع احتفال البلدين بمرور سبعين عامًا على تأسيس علاقاتهما الدبلوماسية. فسبعون عامًا مضت تتحول إلى اختبار حقيقي لطبيعة هذه الشراكة الاستراتيجية، في ظل التطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة.
وتطرح الزيارة تساؤلات عدة، من بينها: هل تملك بكين القدرة على الاستمرار في سياسة الحياة الاقتصادية، بينما تواجه المنطقة وممراتها الملاحية تهديدات مباشرة؟ وإلى أي مدى يمكن للقاهرة أن تستثمر هذا الثقل الجيوسياسي لتعزيز أمنها القومي ومواجهة المخاطر المحيطة بها؟
وفي محاولة لتقديم قراءة موضوعية وهادئة لهذه الملفات، ناقشت معتزة مهابة هذه التساؤلات مع الكاتب الصحفي الكبير والمحلل السياسي ورئيس تحرير موقع «إيجيبتك» الإخباري، الأستاذ أحمد رفعت.
أحمد رفعت: الزيارة ليست بروتوكولية وإنما استراتيجية وتاريخية
وفي بداية الحوار، أكدت معتزة مهابة أهمية توقيت الزيارة والظروف الإقليمية المحيطة بمصر، متسائلة عن تقييم هذه الزيارة في ظل هذه التطورات.
وأكد أحمد رفعت أن ما أشارت إليه معتزة مهابة في مقدمة الحلقة، من أن الزيارة ليست بروتوكولية، يمثل نقطة بالغة الأهمية، قائلاً إن الزيارة «فعلاً ليست بروتوكولية، هي زيارة استراتيجية وتاريخية».
وأوضح رفعت أن أهمية الزيارة لا تقتصر فقط على الاحتفال بمرور سبعين عامًا على العلاقات المصرية ـ الصينية، مشيرًا إلى أن المناسبة تعود إلى عام 1956، عندما كانت مصر أول بلد عربي وأفريقي يعترف بالصين الشعبية.
خلفية تاريخية لصراع الصين الشعبية مع تايوان
واستعرض أحمد رفعت الخلفية التاريخية التي أحاطت بنشأة الصين الشعبية وموقف المجتمع الدولي منها، موضحًا أن الغرب كان يمنع دول العالم من الاعتراف بالصين الشعبية.
وأشار إلى أن الصين نشأت بعد صراع داخلي مرير بين القوميين والشيوعيين، انتهى بانتصار الشيوعيين، بينما هرب القوميون إلى تايوان وأقاموا دولتهم هناك.
وأضاف أن العالم ظل في ذلك الوقت معترفا سياسيا بالصين الكبيرة، ومعترفًا بتايوان باعتبارها الممثل الشرعي للشعب الصيني.
وأوضح أن هذه الجزيرة الصغيرة كان الغرب يعتبرها ممثلة للصين، بل إنه منحها أيضا مقعدًا في الأمم المتحدة، في الوقت الذي كان فيه يمنع دول العالم من الاعتراف بالصين الكبيرة، أي الصين الشعبية التي نتعامل معها اليوم والتي يعترف بها العالم كله حاليا.
ضغوط وعقوبات على الدول التي تقترب من الصين
وأشار رفعت إلى أن أي دولة كانت تقترب من الصين، أو تدخل معها في أي علاقة، كانت تُفرض عليها عقوبات قاسية، أو يتم وضعها في إطار معين باعتبارها دولة خارج السلوك السياسي الدولي القوي والسائد في ذلك الوقت.
وفي هذا السياق، أكد أن الموقف المصري من الصين الشعبية في عام 1956 كان ذا أهمية استثنائية.
مصر أول دولة عربية وأفريقية تعترف بالصين الشعبية
وأوضح أحمد رفعت أن مصر، وسط هذا الوضع الدولي، قررت الاعتراف بالصين الشعبية عام 1956، لتصبح أول بلد عربي وأول بلد أفريقي يقدم على هذه الخطوة.
ووصف هذا الموقف المصري بأنه كان بمثابة «زلزال سياسي»، بالنظر إلى الظروف الدولية التي كانت تحيط بالصين في ذلك الوقت.
وأكد أن الصين حتى هذه اللحظة لا تنسى لمصر هذا الموقف، وتعتبر أن مصر فتحت لها بوابة كبيرة من العلاقات الدولية التي بدأت بعد ذلك، وجرت وراءها سلسلة من اعترافات دول العالم بالصين الشعبية.
اعتراف الأمم المتحدة بالصين الشعبية عام 1971
وأوضح رفعت أن هذا الوضع استمر حتى عام 1971، عندما تم اعتراف الأمم المتحدة بالصين التي نعرفها اليوم، والتي عاصمتها بكين، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الصيني.
ومن هنا، أشار إلى أن الموقف المصري المبكر من الصين الشعبية كان له دلالة تاريخية كبيرة، خاصة أن القاهرة اتخذت موقفها في وقت كانت فيه بكين تواجه عزلة دولية واسعة.
مصر والصين الواحدة.. موقف القاهرة من تايوان
وتطرق أحمد رفعت إلى موقف مصر من تايوان في الوقت الراهن، موضحًا أنه يمكن أن نجد في السوق المصرية سلعًا من تايوان، لكن مصر ليس لديها سفارة في تايوان، مؤكدًا أن مصر لا تعترف إلا بالصين الواحدة، وهي الصين التي نعرفها اليوم.
وأوضح أن الصين التي تعترف بها مصر هي الصين التي تتبعها تايوان، والتي تتبعها هونغ كونغ، وتتبعها أيضًا جزر ماكاو، مشيرًا إلى أن هذه المكونات جميعها جزء من الدولة الصينية، مع وجود أقاليم خارج حدودها تتمتع بوضع خاص.
هونغ كونغ وماكاو والحكم الذاتي
وأشار رفعت إلى أن هناك داخل الصين ولايات تتمتع بالحكم الذاتي، إلا أن هونغ كونغ وجزر ماكاو تتمتعان بطبيعة خاصة، ويُشار إلى وضعهما باعتباره حكمًا ذاتيًا مرتفعًا نسبيًا، ولهما طبيعة خاصة داخل الدولة الصينية.
وتأتي هذه التفاصيل في سياق توضيح طبيعة الدولة الصينية ومكوناتها، وكذلك الموقف المصري الثابت من مبدأ «الصين الواحدة»، بما يفسر طبيعة العلاقات الرسمية بين القاهرة وبكين، في الوقت الذي يمكن فيه أن توجد منتجات تايوانية في السوق المصرية دون أن يعني ذلك وجود اعتراف دبلوماسي مصري بتايوان.
إرث تاريخي يؤسس للشراكة المصرية ـ الصينية
وفي ختام هذا الجزء من الحوار، عادت معتزة مهابة للتأكيد على أهمية هذا الإرث التاريخي، مشيرة إلى أن العلاقات المصرية ـ الصينية تأسست على مواقف داعمة من القاهرة إلى بكين، وفي مقدمتها اعتراف مصر بالصين الشعبية باعتبارها أول دولة عربية تقدم على هذه الخطوة.
ويمثل هذا التاريخ الممتد منذ عام 1956 أحد أهم الأسس التي قامت عليها العلاقات بين البلدين، والتي تدخل اليوم عامها السبعين في ظل ظروف إقليمية ودولية مختلفة تمامًا عن تلك التي نشأت فيها العلاقة.
ومن ثم، فإن زيارة الرئيس الصيني إلى القاهرة لا تبدو مجرد مناسبة للاحتفال بمرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية، وإنما تأتي في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، تفرض على القاهرة وبكين إعادة قراءة طبيعة شراكتهما الاستراتيجية، في ظل التحديات التي تواجه المنطقة، والتهديدات التي تطال ممراتها الملاحية، والتغيرات المتسارعة في موازين القوى الإقليمية والدولية.


