استثمارات مصرية صينية تتجاوز 10 مليارات دولار.. شراكة تتوسع في 8 قطاعات
تشهد العلاقات الاقتصادية والاستثمارية بين مصر والصين تطورًا متسارعًا خلال السنوات الأخيرة، مدفوعة بالشراكة الاستراتيجية الشاملة التي أُعلنت بين البلدين عام 2014، والتي مهدت لمرحلة جديدة من التعاون الاقتصادي والصناعي والتجاري والتكنولوجي، وصولًا إلى ما بات يُعرف بـ«العقد الذهبي» للعلاقات المصرية الصينية.
وتُعد الصين أحد أكبر الشركاء التجاريين لمصر، كما تمثل أحد أبرز مصادر الاستثمارات الأجنبية المباشرة، في ظل توسع الشركات الصينية في السوق المصرية يتجاوز عدد الشركات الصينية العاملة في مصر 2800 شركة، فيما تخطت الاستثمارات الصينية التراكمية 8 مليارات دولار حتى مايو 2025، بينما تجاوزت حاجز 10 مليارات دولار وفق البيانات الحكومية في أغسطس 2026.
وعلى صعيد التجارة، بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 16 إلى 17 مليار دولار خلال 2024، قبل أن يرتفع إلى نحو 20.78 مليار دولار بنهاية 2025، بمعدل نمو يقارب 19.6%، وسط توجه مصري لزيادة الصادرات إلى السوق الصينية وتحقيق قدر أكبر من التوازن في الميزان التجاري من خلال توطين الصناعة وزيادة القيمة المضافة للمنتجات المصرية.
«تيدا».. محور الاستثمارات الصينية في مصر
تمثل منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية «تيدا» بالعين السخنة، داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، أحد أبرز محاور الشراكة الصناعية بين البلدين.
وتأسست المنطقة عام 2008، قبل أن تشهد توسعات متتالية، لتضم حاليًا نحو 170 إلى 200 شركة صينية، باستثمارات تتجاوز 3 إلى 4 مليارات دولار، وتوفر عشرات الآلاف من فرص العمل المباشرة وغير المباشرة.
وتتنوع الأنشطة الصناعية داخل المنطقة بين الألياف الزجاجية والأجهزة المنزلية والإلكترونيات والهواتف والمنسوجات والإطارات والبوليمرات، ومن أبرز الشركات العاملة بها «جوشي» المتخصصة في الألياف الزجاجية، إلى جانب «هاير» و«ميديا» و«أوبو».
وفي ديسمبر 2025، شهدت المنطقة توقيع اتفاقيات لإقامة مشروعات صناعية جديدة باستثمارات تصل إلى 1.15 مليار دولار، من بينها مجمع لإنتاج البوليستر باستثمارات 800 مليون دولار، ومصنع للإطارات بقيمة 190 مليون دولار، بالتزامن مع توسعات رفعت مساحة المنطقة إلى نحو 10 كيلومترات مربعة.
الشركات الصينية تدعم مشروعات البنية الأساسية
امتد التعاون المصري الصيني إلى مشروعات البنية الأساسية والعمران، حيث شاركت الشركات الصينية في تنفيذ عدد من المشروعات القومية الكبرى.
وتولت شركة البناء الهندسية الحكومية الصينية «CSCEC» تنفيذ منطقة الأعمال المركزية في العاصمة الإدارية الجديدة، والتي تضم البرج الأيقوني، الذي يُعد الأطول في أفريقيا، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشروعات للنقل، من بينها القطار الكهربائي الخفيف.
كما شهد قطاع الموانئ واللوجستيات توسعًا في الاستثمارات الصينية، من خلال شركات ومشروعات في موانئ الإسكندرية والدخيلة والعين السخنة وأبو قير، إلى جانب استثمارات لشركات مثل «هوتشيسون بورتس» و«كوسكو»، بما يعزز موقع مصر كمركز إقليمي للتجارة والنقل والخدمات اللوجستية.
الطاقة المتجددة والتحول الأخضر
يأتي قطاع الطاقة النظيفة ضمن المجالات الواعدة للتعاون بين القاهرة وبكين، مع توسع الاستثمارات الصينية في مشروعات الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتصنيع مكونات الطاقة المتجددة.
وتشمل المشروعات محطة «أبيدوس 1» للطاقة الشمسية بقدرة 500 ميجاوات في أسوان، إلى جانب مشروعات لتصنيع الألواح والخلايا الشمسية وأنظمة تخزين الطاقة، فضلًا عن استثمارات ومذكرات تفاهم لتنفيذ مشروعات ضخمة في مجال الهيدروجين الأخضر.
وتستهدف هذه المشروعات دعم توجه مصر نحو التحول للطاقة النظيفة، بالتوازي مع توطين الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة وزيادة القيمة المضافة محليًا.
السيارات والإلكترونيات والصناعات التحويلية
تتجه الاستثمارات الصينية الجديدة في مصر بصورة متزايدة نحو القطاعات الإنتاجية والصناعات التحويلية، مع التركيز على توطين التكنولوجيا وزيادة المكون المحلي.
وفي قطاع السيارات، أعلنت شركة «جي إيه سي أوتوموتيف» خططًا لاستثمار نحو 300 مليون دولار لإقامة مصنع للسيارات في مصر، إلى جانب مشروعات أخرى في قطاعات الصلب والألومنيوم والكيماويات والإطارات والمنسوجات.
كما تستهدف مصر جذب المزيد من الاستثمارات الصينية في صناعة السيارات ومكوناتها والبطاريات والصناعات الهندسية، مع منح حوافز وتراخيص ذهبية لعدد من المشروعات الكبرى، بينها مشروعات لشركتي «هاير» و«ميديا».
التكنولوجيا والاتصالات والفضاء
يشكل قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أحد محاور التعاون المتنامية بين البلدين، من خلال وجود شركات صينية كبرى مثل «هواوي» و«زد تي إي» و«أوبو» في السوق المصرية.
ويمتد التعاون إلى البنية التحتية الرقمية وشبكات الاتصالات والجيل الخامس والحوسبة السحابية وتصنيع الهواتف، إلى جانب مجالات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.
كما شمل التعاون قطاع الفضاء، من خلال مشروعات الأقمار الصناعية ونقل التكنولوجيا والمعرفة، إلى جانب التعاون في مجالات التعليم والتدريب وبناء القدرات الرقمية.
الزراعة والسياحة والتمويل
لا تقتصر الشراكة المصرية الصينية على القطاعات الصناعية والتكنولوجية، وإنما تمتد إلى مجالات الزراعة والصناعات الغذائية والأمن الغذائي، فضلًا عن السياحة والثقافة والتبادل السياحي بين البلدين.
كما شهدت العلاقات تعاونًا في مجالات التمويل والصحة، إلى جانب اتفاقيات ومبادرات تستهدف دعم التنمية، فيما يمثل قطاع اللوجستيات والموانئ أحد أبرز المجالات التي يمكن من خلالها تعزيز استفادة البلدين من موقع مصر الاستراتيجي ضمن مبادرة «الحزام والطريق».
القاهرة تستهدف تحويل الاستثمارات الصينية إلى قاعدة إنتاج وتصدير
وتسعى مصر خلال المرحلة المقبلة إلى جذب المزيد من الاستثمارات الصينية في القطاعات ذات الأولوية، وعلى رأسها السيارات ومكوناتها، والطاقة المتجددة، والإلكترونيات، والمنسوجات، والذكاء الاصطناعي، واللوجستيات.
وفي هذا الإطار، تعمل الحكومة على توفير حوافز وتيسيرات للمستثمرين الصينيين، من بينها إتاحة استخدام اليوان في بعض المعاملات، وإنشاء وحدات متخصصة لخدمة الشركات الصينية، إلى جانب التوسع في المناطق الحرة والاقتصادية.
وتشير التوقعات إلى إمكانية ارتفاع الاستثمارات الصينية التراكمية في مصر إلى نحو 14 مليار دولار بنهاية 2026، مع وجود خطط لمشروعات جديدة بمليارات الدولارات في قطاعات الصلب والألومنيوم والمناطق والمدن اللوجستية.
وتعكس هذه التطورات تحول طبيعة الشراكة المصرية الصينية من الاعتماد بصورة أساسية على التجارة إلى التركيز بشكل أكبر على الاستثمارات الإنتاجية وتوطين الصناعة ونقل التكنولوجيا وزيادة الصادرات وخلق فرص العمل، مستفيدة من الموقع الجغرافي لمصر واتفاقياتها التجارية التي تتيح الوصول إلى أسواق أفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا.
ومع استمرار الزيارات رفيعة المستوى وتنامي المشروعات المشتركة، تبدو العلاقات المصرية الصينية أمام فرصة لتعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري خلال السنوات المقبلة، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية مصر 2030 ومبادرة «الحزام والطريق».





