مدحت الشريف لـ«إيجبتك»: «هل تغيّر الصين موازين القوى في مصر؟»
قال الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي وسياسات الأمن القومي، إن زيارة الرئيس الصيني إلى مصر تأتي في توقيت شديد الحساسية، مشيرًا إلى أن العلاقات المصرية الصينية شهدت تطورًا متواصلا على مدار السنوات العشر الماضية، إلا أن الزيارة الحالية تأتي في ظل تغيرات عالمية فاعلة ومؤثرة على توازن القوى العظمى في العالم.
وأوضح الشريف، في تصريح خاص لـ«إيجبتك» أن العالم يشهد حاليا الحرب الروسية الأوكرانية، والتي رغم القدرات الروسية لم تستطع موسكو حتى الآن حسم المعركة لصالحها، كما تشهد المنطقة صراعا بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، مؤكدًا أن الولايات المتحدة بكل قدراتها وحليفتها إسرائيل لم تستطع حتى الآن حسم المعركة لصالحها أيضا.
وأضاف أن هذه التغيرات في حد ذاتها تؤكد بصورة واضحة وجود تحول في موازين القوى العالمية، بما يدفع نحو وجود تحالفات أكثر وضوحا بين عدد من الدول، في مقابل تحالفات أخرى تضم عددًا كبيرًا من الدول، وهو ما يعيد طرح فكرة وجود قطبين في العالم.
تغير مواقف الحلفاء يعيد تشكيل التحالفات الدولية
وأشار الشريف إلى أن الظروف الحالية شهدت تغيرًا في مواقع ومواقف عدد كبير من الحلفاء، مستشهدًا بموقف أوروبا من الدعم الأمريكي لإسرائيل في ظل ما يحدث في غزة، وكذلك تنصل عدد من الدول الغربية من تقديم معاونة مباشرة للولايات المتحدة الأمريكية في حربها مع إيران.
وأضاف أن الوضع بالنسبة إلى روسيا يشهد بدوره دعما أوروبيا واسعا لأوكرانيا، حتى لا تكون هناك ثغرة داخل الاتحاد الأوروبي، موضحا أن أوكرانيا ليست عضوًا في الاتحاد الأوروبي، إلا أن التعامل معها باعتبارها حليفا قويا جعلها تحظى بدعم مباشر من الاتحاد الأوروبي.
التقارب المصري الصيني والضغوط الأمريكية
وحول ما إذا كان التقارب المصري مع الصين يمكن أن يضع القاهرة تحت ضغوط فيما يتعلق بحساباتها مع واشنطن، أكد الشريف أن الإجابة عن هذا السؤال يجب أن تأتي في إطار المظلة العالمية الأكبر التي تحكم المشهد الدولي في الوقت الحالي.
وأوضح أن أي شخص يبدأ في تحليل هذا الموضوع يجب أن ينظر أولا إلى المظلة العالمية التي تتغير، لأنها تمثل العامل الأكبر والأكثر تأثيرًا في العالم، وهي التي تحكم كثيرًا من التحركات الحالية.
وقال إن التغيرات الموجودة على الأرض في العلاقات التجارية وخطوط الملاحة البحرية والامتدادات المتعلقة بالتكنولوجيات الحساسة، تشهد صراعا قويا للغاية منذ تولي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رئاسة الولايات المتحدة، وما تبنته إدارته من سياسات وأحداث مختلفة، بما في ذلك الحرب مع إيران.
وأكد أن هذه التطورات لها تأثير مباشر على خطوط الملاحة البحرية.
«كنت في الصين عام 2004.. وكانوا يتوقعون الصدام»
وكشف الشريف عن تجربة شخصية خلال زيارة رسمية له إلى الصين عام 2004، قائلا إنه شارك حينها في العديد من اللقاءات مع الحزب الشيوعي الصيني، وكانت هناك نقاشات مباشرة مع عدد من أهم مستشاري الحزب الشيوعي الصيني.
وأضاف أنه شارك أيضا في نقاش مع مستشار الأمن القومي في الحزب الشيوعي الصيني، وكذلك خلال مجموعة من اللقاءات التي عقدت في الأكاديمية الصينية للدفاع، موضحا أن النقاش تناول احتمالية حدوث صدام بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين، في ضوء تنامي القوى العسكرية والتجارية الصينية.
وأوضح أن الرد الذي كان يتكرر على لسان الدبلوماسيين الصينيين حينها لم يتطرق للردود الدبلوماسية المعتادة .. مثل أن الصدام قد يحدث خلال السنوات العشر المقبلة، أو بعد عام تقريبا، مشيرًا إلى أن الإجابة كانت محددة بالتاريخ وهي عام 2017.
وأكد الشريف أن هذا الرد لم يكن مألوفا بالنسبة إلى دبلوماسي ومستشار للأمن القومي، قائلا إنهم كانوا يحسبون بوضوح لاحتمالية حدوث هذا الصدام، وهو ما حدث بالفعل وأصبح العالم يدرك تداعياته حاليًا.
أهمية خاصة للزيارة.. ورسالة من بكين إلى القاهرة
وانتقل الشريف إلى الحديث عن الزيارة المرتقبة، موضحًا أن الرئيس الصيني ليس من القادة الذين يكثرون من التنقل خارج الصين، وأن زياراته الخارجية محدودة للغاية.
وأشار إلى أن الزيارة تأتي قبل نحو أسبوعين تقريبا من انعقاد قمة مجموعة بريكس، والتي كان من المفترض أن يحضرها الرئيس عبدالفتاح السيسي.
وتابع أن الأمر لو كان يستدعي التأجيل، لكان من الممكن الانتظار لمدة أسبوعين دون أن تكون هناك مشكلة في تأجيل الزيارة، إلا أن اختيار الرئيس الصيني زيارة مصر في هذا التوقيت يمثل رسالة واضحة بأنه يولي العلاقات المصرية الصينية أهمية خاصة.
مناورات عسكرية وتعاون تكنولوجي غير معتاد
وأشار الشريف إلى أن مصر شهدت مؤخرًا تدريبات جوية مشتركة مع القوات الجوية الصينية، بمشاركة القوات الجوية المصرية، مؤكدًا أن هذا الأمر ليس من المعتاد بالنسبة إلى الصين التي لا تتحرك كثيرًا حول العالم لإجراء مناورات عسكرية، معتبرًا أن ذلك يمثل تطورًا جديدًا في العلاقات بين البلدين.
وأضاف أن الصين تعهدت أو عرضت إنشاء مركز للذكاء الاصطناعي في مصر، موضحا أن هذا المركز يتضمن تكنولوجيات متقدمة للغاية، وأنه لا يرغب في الدخول في جميع تفاصيلها.
وأوضح أن المعلن هو أن شركة «هواوي» قدمت عرضا لإنشاء مركز للذكاء الاصطناعي في مصر، مشيرًا إلى أن المركز سيكون ذا طبيعة استراتيجية، ويتعلق بالتحكم والسيطرة، فضلًا عن كونه مؤمنًا بدرجة كبيرة للغاية بما يحول دون اختراقه.
رقائق إلكترونية صينية داخل مركز الذكاء الاصطناعي
وأشار الشريف إلى أن مركز الذكاء الاصطناعي سيتضمن أيضا مجموعة من الرقائق الإلكترونية التي تتميز الصين بانفرادها بمستوى متقدم في صناعتها على مستوى العالم.
وأوضح أن هناك أزمة وقعت منذ نحو ثلاث سنوات بين الصين والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة بشأن الرقائق الإلكترونية، وأنه كان هناك حظر على استخدامها، فيما أوقفت الصين بعض هذه الرقائق.
وأضاف أن أهمية هذه الرقائق ترجع إلى أنها تدخل في بعض الأحيان في صناعات عسكرية حساسة في الدول الغربية.
وكشف الشريف أن الصين عرضت تقديم نحو ألفي وحدة من هذه الرقائق إلى مصر في إطار إنشاء مركز الذكاء الاصطناعي، معتبرًا أن هذا الأمر يقود إلى مرحلة ثانية مهمة، وهي أن الصين تستهدف أن يكون لها دعم مباشر لمصر بشكل أو بآخر.
موقف مصر المتوازن يعزز أهميتها
وأشار الشريف إلى أن جزءًا مهما من هذا الأمر يرتبط بالموقف المصري الموضوعي والمتوازن في عملية المصالحة أو توفيق الأوضاع بين إيران والولايات المتحدة، وعدم تدخل مصر في أحلاف عسكرية ضد إيران أو ضد أي طرف من الأطراف.
وأكد أن هذا الموقف يمثل نقطة إيجابية وموقفا متوازنا، ومن المفترض أن يقدره العالم، إلا أن الولايات المتحدة الأمريكية لها وجهة نظر أخرى بالتأكيد في هذا الأمر.
وأوضح أن الولايات المتحدة تتعامل في بعض الأحيان بمنطق «إما معي أو ضدي»، ولا ترغب في رؤية مصر خارج الاصطفافات التي تحددها.
وأضاف أن الولايات المتحدة تريد أن تكون مصر تابعة لها، معتبرًا أن هذا الأمر صعب، خاصة أن حتى بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة، ومنها دول الاتحاد الأوروبي، تنصلت في أغلبها من تقديم معاونة عسكرية مباشرة في الصراعات القائمة.
وشدد الشريف على أن الجيش المصري لا يمكن أن يكون مجرد أداة عسكرية على رقعة شطرنج، مؤكدًا أن هذا الأمر غير مقبول، وأن من المهم أن تحافظ مصر على موقف متوازن بين القوى المختلفة.
«مصر تواجه ضغوطا أمريكية بالفعل»
وقال الشريف إنه يرى، من وجهة نظره، أن هناك تحركات أمريكية يمكن تفسيرها باعتبارها أوراق ضغط على مصر، مؤكدًا أن القاهرة ستواجه خلال الفترة المقبلة نوعًا من الضغوط من الجانب الأمريكي.
وأوضح أن هذه الضغوط ليست مستقبلية فقط، وإنما «مصر تواجهها بالفعل قبل الزيارة».
وأشار إلى أن الولايات المتحدة، في أعقاب الإعلان الذي صدر بشأن مركز الذكاء الإصطناعي، تتخذ بعض التحركات، من بينها تقديم عرض لمصر لإنشاء هذا المركز بتكنولوجيا أمريكية غربية، مؤكدًا أن هناك محاولات في هذا الاتجاه.
وأضاف أن الهدف من ذلك، بالتأكيد، هو محاولة منع التعاون المباشر والقائم بين مصر والصين في هذا المجال.
الشركات الصينية والعقوبات الأمريكية
وأكد الشريف أن معظم الشركات التي تنفذ الأعمال المتعلقة بمركز الذكاء الاصطناعي، وهي الشركات الصينية، تخضع في معظمها للعقوبات الأمريكية، معتبرًا أن هذه النقطة مهمة للغاية.
وأضاف أن هذا الأمر يمثل بدوره أحد مصادر التأثير والضغط، مؤكدًا: «هناك ضغوط».
العقوبات على بنك مصر.. «ورقة ضغط»
وقال الشريف إنه يرى شخصيا، ويفسر من وجهة نظره، أن الإعلان الذي صدر بشأن العقوبات الأمريكية على بنك مصر، وما يتعلق بالتعاملات مع شركات خاضعة للعقوبات الأمريكية، والتي تتعامل مع إيران بشكل مباشر أو غير مباشر، يمثل ورقة ضغط.
وأكد أن هذا الأمر من وجهة نظره يأتي في إطار أوراق الضغط الأمريكية على مصر.
الاتفاق الأمريكي الإثيوبي ورقة ضغط أخرى
وأشار الشريف إلى أنه يرى أيضا أن الاتفاق الذي تم بين الولايات المتحدة الأمريكية وإثيوبيا بشأن التعاون الدفاعي يمثل ورقة ضغط أخرى.
وأوضح أن هذا الاتفاق جاء بعد أيام قليلة من تحركات ولقاءات مع بعض الرموز الإثيوبية، من بينهم وزراء سابقون، مشيرًا إلى أنه جرى التواصل مع بعض المسؤولين الحاليين والسابقين، وصدرت عن بعضهم تصريحات تتعلق بالسدود، من بينها التأكيد على أن إثيوبيا لن تأخذ إذنًا من أحد لتنفيذ هذه السدود.
وأكد الشريف أن هذه الجرأة، من وجهة نظره، لم تأتِ من فراغ، وإنما هناك دعم أو تأثير أمريكي مباشر بشكل أو بآخر.
وأضاف أن هذه هي الضغوط المرئية، بينما توجد أيضا ضغوط أخرى غير مرئية يصعب الحديث عنها أو تحديدها بشكل مباشر، مؤكدًا أن ذلك جزء من المشهد العام.
رسائل الزيارة لن تتضح قبل البيان الختامي
وحول الرسائل السياسية التي تحاول مصر والصين إيصالها من خلال الزيارة، قال الشريف إنه لا يمكن لأحد تفسير هذه الرسائل بشكل كامل قبل انتهاء الزيارة نفسها، وفي ضوء البيان الختامي الذي سيصدر عنها.
وأكد أن ليس كل الرسائل ستكون معلنة، موضحًا أن هناك رسائل عامة ستتحدث عن العلاقات المشتركة وحجم التعاون بين البلدين، بينما ستكون هناك رسائل أخرى غير معلنة.
إعفاء الصادرات المصرية من الجمارك.. «قرار مهم للغاية»
وأشار الشريف إلى أن الصين اتخذت قرارًا مهمًا للغاية منذ نحو شهر، يتمثل في إعفاء الصادرات المصرية إلى الصين من الجمارك.
وأكد أن هذا القرار بالغ الأهمية، لكنه أعرب عن أسفه لعدم استغلال الحكومة المصرية له بالشكل المناسب حتى الآن.
وأوضح أن القرار يمنح مصر فرصة كبيرة لتصدير منتجاتها إلى السوق الصينية التي تضم نحو مليار و400 مليون مواطن.
ضرورة فتح السوق الصينية أمام الصادرات المصرية
وشدد الشريف على أن أحد أهم الملفات التي يجب أن تتضمنها الزيارة هو العمل على استثمار قرار إعفاء الصادرات المصرية من الجمارك، وفتح الأسواق الصينية بشكل مباشر أمام المنتجات المصرية، إلى جانب تسهيل إجراءات التصدير.
وأكد أن استغلال هذه الفرصة بصورة صحيحة يمكن أن يمثل مكسبا اقتصاديا مهما لمصر، خاصة في ظل حجم السوق الصينية الضخم، وقدرة العلاقات المصرية الصينية على الانتقال من مجرد التعاون والاستثمار إلى زيادة الصادرات المصرية والوصول المباشر إلى المستهلك الصيني.



