مدحت الشريف لـ«إيجبتك»: «الصين تقترب.. والتوسع في مصر يثير قلق واشنطن»
وحول ما إذا كان التعاون والتفاوض بين مصر والصين يتم حاليا من موقع قوة بالنسبة إلى القاهرة، أم في ظل احتياج مصر إلى الاستثمارات والتمويل، قال الدكتور مدحت الشريف، استشاري الاقتصاد السياسي وسياسات الأمن القومي، في تصريحات خاصة لـ«إيجبتك» تعليقا على زيارة الرئيس الصيني لمصر خلال الساعات القادمة، إن التعاون مع أي دولة في العالم، في إطار التجارة الدولية والاستثمارات أو جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، يجب أن ينظر إليه في سياقه الاقتصادي والاستراتيجي العام.
وأوضح الشريف أن الصين لديها حضور كبير للغاية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وبخاصة في الجزء الجنوبي منها، مشيرًا إلى أن شركة «تيدا» موجودة في المنطقة منذ سنوات طويلة، وربما منذ فترة حكم الرئيس الأسبق حسني مبارك.
وأضاف أن شركة «تيدا» حصلت في البداية على مساحة أرض كبيرة، ثم جرت لاحقًا تسويات واتفاقات لتفعيل أعمالها، بعد ظهور بعض المشكلات، مؤكدًا أن الشركة أنشأت بالفعل العديد من الصناعات في المنطقة.
مشروعات صينية جديدة على الأراضي المصرية
وأشار الشريف إلى أن الصين تتجه حاليًا إلى تنفيذ ثلاثة أو أربعة مشروعات كبيرة في مصر، من بينها مشروع للهيدروجين الأخضر، إلى جانب مشروعات أخرى في مجال الطاقة المتجددة وغيرها.
وتوقع أن تشهد زيارة الرئيس الصيني إعلانا عن بعض هذه المشروعات، أو الإعلان عن عدد أكبر من المشروعات، مؤكدًا أن ذلك يعكس ثقة الصين في المنطقة، ولا سيما في ظل الأزمات التي يشهدها العالم حاليا.
أزمة خطوط الملاحة.. وسبب تمسك الصين بقناة السويس
وأوضح الشريف أن الصين تواجه في ظل الأزمات الحالية مشكلة كبيرة تتعلق بخطوط الملاحة البحرية، مشيرًا إلى أن هذا الملف كان محل نقاش له في الصين عام 2004 مع مستشار الأمن القومي والطاول الصيني.
وقال الشريف إنه ناقش خلال تلك الزيارة توقيت إمكانية دخول الصين في مواجهة عسكرية مع الولايات المتحدة الأمريكية، موضحا أن الرد الذي تلقاه كان مباشرًا، ومفاده أن حدوث اضطراب أو قطع في خطوط الإمدادات البحرية للصين يعني انهيارها.
وأضاف أن الصين كانت قد وضعت، على مدار نحو عشر سنوات أو أكثر، تصورًا لمواجهة هذه المشكلة من خلال مشروع «طريق الحرير»، حتى نجحت في تنفيذ معظم مراحله.
وأكد أن الصين تسعى حاليًا إلى التغلب على المشكلات الموجودة في خطوط الإمداد الخاصة بها، سواء فيما يتعلق بالمواد الخام التي تحتاجها، أو الصادرات التي تسعى إلى نقلها إلى الأسواق العالمية.
المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.. موقع استراتيجي للصين
وأشار الشريف إلى أن وجود الصين في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس يمثل أهمية كبيرة، باعتبارها تقع في منطقة تتوسط العالم، موضحًا أن الصين لديها صادرات كثيرة، كما أن لديها مواد خام تأتي من أفريقيا، وصادرات أخرى تتجه إلى دول الخليج ومناطق أخرى.
وأضاف أن الصين تسعى إلى تقليل المخاطر المرتبطة بخطوط الإمداد، ولذلك تريد إقامة قاعدة صناعية لها في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس.
وأكد أن هذا الأمر معلن بالفعل، مشيرًا إلى أنه سبق أن وُجهت دعوات إلى الولايات المتحدة الأمريكية للاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلا أنه حتى الآن لم تظهر مشروعات أمريكية كبيرة على الأرض، بحسب تقديره.
روسيا أيضا حاضرة في المنطقة الاقتصادية
ولفت الشريف إلى أن روسيا حصلت أيضًا، على حد ما يتذكر، على نحو مليون متر مربع في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس شرق القناة، موضحا أن المفترض أن يتم تطوير هذه المساحة صناعيا، بحيث تستضيف مشروعات صناعية روسية على الأرض.
وأشار إلى أن وجود هذه القوى الاقتصادية والصناعية المختلفة في المنطقة يمثل أحد التطورات التي قد تثير قلق الإدارة الأمريكية.
«التوسع الصيني يثير قلق واشنطن»
وقال الشريف إن الصين «تمد يدها بقوة» نتيجة الشريط التجاري القوي الذي يربطها بمصر، معتبرًا أن الولايات المتحدة الأمريكية أهملت بدرجة كبيرة فكرة إقامة منطقة تجارة حرة أو اتفاقية تجارة حرة بين الولايات المتحدة ومصر على مدار سنوات طويلة.
وأوضح أن الولايات المتحدة منحت هذه الميزة لعدد من الدول منذ عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، إلا أنها بالنسبة إلى مصر تحديدًا كانت تتجنب الوصول إلى اتفاقية تجارة حرة شاملة.
وأضاف أن ما حصلت عليه مصر كان اتفاقية «الكويز»، التي تتطلب دخول منتج إسرائيلي ضمن عملية التصنيع، بحسب وصفه.
«أتوقع مشروعات صينية واستثمارات ضخمة»
وفي ختام حديثه عن الاستثمارات المرتقبة، أكد الشريف أنه يتوقع الإعلان خلال زيارة الرئيس الصيني عن مشروعات واتفاقيات تعاون تجاري واستثمارات صينية في مصر ستكون «ضخمة جدًا» خلال المرحلة المقبلة.
وحول القطاعات التي يمكن أن تستحوذ على النسبة الأكبر من الاستثمارات الصينية، قال الشريف إن الهيدروجين الأخضر والطاقة المتجددة ستكون في مقدمة هذه القطاعات.
الطاقة الشمسية.. الصين تملك مفتاح الصناعة
وأوضح الشريف أن الصين تعد أكبر مصنع في العالم لألواح الطاقة الشمسية والخلايا المرتبطة بها، مشيرًا إلى أنه حتى عندما فرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات ورفعت الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية، هددت الصين بوقف تصدير الخلايا الشمسية إلى دول أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرها.
وأكد أن هذا القطاع، من وجهة نظره، سيكون جزءًا كبيرًا من الاستثمارات الصينية المقبلة في مصر.
مركز الذكاء الاصطناعي والرقائق الإلكترونية
وأشار الشريف إلى أن مركز الذكاء الاصطناعي يمثل أيضًا جزءًا مهمًا من التعاون المصري الصيني، خاصة مع دخول الرقائق الإلكترونية في أنشطة الذكاء الاصطناعي داخل مصر.
وأكد أن هذا التعاون لا يعني بالضرورة إبعاد الولايات المتحدة الأمريكية عن المشهد، موضحًا أن واشنطن لا تريد أن تعتمد مصر على الصين بشكل أو بآخر، رغم أن العلاقات المصرية الأمريكية علاقات استراتيجية لا يمكن إنكارها.
«أغلب السلاح الموجود في مصر أمريكي»
وقال الشريف إن أغلب السلاح الموجود لدى مصر هو سلاح أمريكي، معتبرًا أن كل هذه المعطيات من المفترض أن تؤكد للولايات المتحدة الأمريكية أن مصر تمثل بالنسبة إليها دولة استراتيجية.
وأضاف أن التوسع الصيني في مصر يثير قلق الإدارة الأمريكية، وإدارة الرئيس دونالد ترامب تحديدًا، لأنها لا تريد وجود منافس للصين خارج الأراضي الصينية، خاصة في الدول المحورية والدول التي تعتبرها الولايات المتحدة حليفة لها.
وأوضح أن مصر تمثل «مربعا هاما للغاية» على رقعة الشطرنج الدولية، وأن واشنطن لا تريد أن تخسر هذا المربع المهم.
وأكد أن هناك تفاصيل أخرى في هذا الملف لا يرى أن من المناسب تناولها أو التوسع فيها.
«يجب أن نستغل التعاون التجاري بشكل مباشر»
وشدد الشريف على أنه يتمنى أن تكون الرسالة الأساسية التي تخرج من مصر هي ضرورة استغلال التعاون التجاري بشكل مباشر وجاد.
وأوضح أن مصر يجب أن تستفيد من الاستثمارات الصينية من خلال تخصيص الأراضي لإقامة المصانع والمنشآت، وليس بيع منشآت ومصانع قائمة بالفعل.
وانتقد ما وصفه بعملية بيع الأصول التي شهدتها مصر، معتبرًا أن ما يحدث في هذا الملف، من وجهة نظره الشخصية، «مقلق للغاية».
وأكد أهمية أن تمتلك مصر محطات للطاقة المتجددة، وأن تستفيد من الأنشطة والتكنولوجيات الحديثة، بما يحقق قدرًا من الاستقلالية بعيدًا عن المنظومات الغربية في بعض المجالات المتعلقة بتأمين البلاد.
«التنوع في مصادر التكنولوجيا أمر مهم»
وأوضح الشريف أن تنويع مصادر التكنولوجيا أمر مهم للغاية، معتبرًا أن التبعية لمصدر واحد تمثل أمرًا خطيرًا.
وأكد أهمية أن يكون لدى مصر أكثر من مصدر للتكنولوجيات العسكرية والتكنولوجيات التي يمكن استخدامها في النشاط العسكري، مشيرًا إلى أن هذا التنوع يمثل أمرًا مهمًا وجيدًا للغاية ويجب الحرص عليه.
«المصالح الاقتصادية لا تتعارض مع العلاقات الاستراتيجية»
وشدد الشريف على أن مصر لا تفكر بأي شكل من الأشكال في إقامة تحالف استراتيجي مع الصين ضد الولايات المتحدة الأمريكية، مؤكدًا في الوقت نفسه أن ذلك لا يمنع القاهرة من البحث عن مصالحها الاقتصادية.
وقال إن مصر تستطيع البحث عن مصالحها الاقتصادية في ظل أزمة اقتصادية ضاغطة، خاصة في ظل عدم حصولها على الدعم المناسب من الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها في العالم والمنطقة.
وأكد أن المصلحة المصرية تقتضي الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية القائمة، مع تنويع الشراكات الاقتصادية والتكنولوجية وعدم الاعتماد على طرف واحد.



