من «زقاق المدق» إلى عالم محفوظ.. كيف تحولت الحارة إلى مرآة للمجتمع؟
عقد قصر ثقافة بني سويف ندوة ثقافية بعنوان «الحارة في أدب نجيب محفوظ»، تناولت خصوصية الحارة في المشروع الأدبي والفكري للأديب العالمي نجيب محفوظ، ودورها في تشكيل عالمه الروائي، إلى جانب مناقشة أبرز العوامل التي أسهمت في تكوين تجربته الأدبية والفلسفية.
واستهلت الندوة الشاعرة سيدة فاروق بالترحيب بالحاضرين، وقدمت الناقدة جهاد طه، مستعرضة جانبًا من تجربتها في مجال الصحافة والنقد الفني، وكتابتها في النقد الأدبي والمسرحي بعدد من الصحف والمجلات، كما رحبت بالناقد محمد علام، وقدمت نبذة عن تجربته النقدية، مشيرة إلى إسهاماته في إثراء الحركة النقدية خلال السنوات الماضية، وحصوله على عدد من الجوائز، من بينها جائزة أفضل مقال نقدي في المهرجان القومي للمسرح.
الحارة.. أكثر من مجرد مكان
بدأت الناقدة جهاد طه حديثها بالتأكيد على أن الحارة في أدب نجيب محفوظ لا يمكن اختزالها في كونها مجرد موقع تجري داخله الأحداث، وإنما تتحول إلى عالم روائي متكامل يحمل دلالات اجتماعية ونفسية وفلسفية.
وأوضحت أن الحارة تمثل في أعمال محفوظ نموذجًا مصغرًا للمجتمع المصري، إذ تجمع شخصيات تنتمي إلى طبقات وشرائح اجتماعية متعددة، بما يتيح للكاتب رصد أشكال مختلفة من العلاقات والصراعات والتناقضات داخل المجتمع.
وأشارت طه إلى أن الحارة تؤدي كذلك وظيفة مرتبطة بالذاكرة والهوية؛ فالشخصيات لا تعيش في المكان بمعزل عنه، وإنما تتشكل علاقاتها وعاداتها وقيمها من خلاله، ليصبح المكان عنصرًا فاعلًا في بناء الشخصية وليس مجرد خلفية للأحداث.
ولفتت إلى أن محفوظ يستثمر الحارة في الكشف عن طبيعة العلاقات الإنسانية، من خلال علاقات الجيرة والحب والصداقة والعداء والسلطة، موضحة أن الحارة عنده تقوم على مفارقة أساسية؛ فهي في الوقت نفسه مكان للألفة والانتماء، وفضاء للقهر والرقابة والصراع.
تفاصيل المكان وبناء العالم الروائي
وتوقفت الناقدة عند أبرز العناصر التي تتكون منها الحارة المحفوظية، وفي مقدمتها الزقاق والشارع والمقهى والدكان والبيت، موضحة أن هذه العناصر لا تأتي بوصفها تفاصيل وصفية فحسب، وإنما تسهم في صناعة العالم الروائي، حيث تلتقي الشخصيات وتتبادل الأخبار وتتكون العلاقات وتظهر التوترات الاجتماعية.
كما تؤدي الحارة وظيفة اجتماعية واضحة، إذ يكشف محفوظ من خلالها عن قضايا الفقر والطبقية والسلطة والعادات والتقاليد والتحولات الاجتماعية التي مر بها المجتمع المصري.
وتتجاوز الحارة في بعض أعمال محفوظ حدود المكان الواقعي، لتتحول إلى رمز لمصر وتحولاتها السياسية والاجتماعية والتاريخية، بينما تصبح في أعمال أخرى فضاءً لصراع القديم والجديد، والتقاليد والرغبة في التغيير، إلى جانب حضور السلطة بأشكال متعددة، سواء تمثلت في سلطة الأب أو الفتوة أو المال أو العادات والتقاليد أو السلطة السياسية.
وأكدت طه أن العلاقة بين الشخصية والمكان عند محفوظ علاقة جدلية؛ فالشخصية تتأثر بالمكان وتتشكل داخله، وفي المقابل تكشف الشخصيات من خلال سلوكها وعلاقاتها عن طبيعة المكان الذي تنتمي إليه.
وفي هذا السياق، أشارت إلى رواية «زقاق المدق»، التي تتحول فيها الحارة إلى نموذج مصغر لمجتمع يعيش حالة من التحول، وتتقاطع داخله الرغبات الفردية مع القيم الاجتماعية والتقاليد، بما يجعل المكان طرفًا أساسيًا في الصراع الروائي.
محمد علام: الحارة مفتاح لفهم عالم محفوظ
وانتقل الحديث إلى الناقد محمد علام، الذي استهل مداخلته بسرد مجموعة من العوامل التي أسهمت في تشكيل شخصية نجيب محفوظ الأدبية والفكرية، مؤكدًا أن فهم تجربة محفوظ لا يمكن فصله عن البيئة التي نشأ فيها، والسياق التاريخي والسياسي والاجتماعي الذي عاصره، ودراسته للفلسفة، واحتكاكه المبكر بالحارة المصرية.
وأشار علام إلى أن محفوظ وُلد عام 1911 في حي الجمالية بالقاهرة، وهي بيئة شعبية اتسمت بالتنوع الاجتماعي والثقافي، وكان لهذا المحيط أثر واضح في تكوين وعيه وتشكيل عالمه الروائي فيما بعد.
وأوضح أن الحارة لم تكن بالنسبة إلى محفوظ مجرد مكان جغرافي، وإنما تحولت إلى نموذج مصغر للعالم؛ ففيها الغني والفقير، والفتوة والتاجر والشيخ والعامل والمرأة والطفل، وفيها أيضًا السلطة والصراع والحب والخوف والأمل. ومن خلال هذا العالم المحدود مكانيًا، استطاع محفوظ أن يطرح أسئلة تتجاوز حدود المكان إلى قضايا إنسانية وفلسفية أوسع.
وأكد علام أن هذا الاستخدام للحارة يفسر حضورها المتكرر في أعمال محفوظ، حتى أصبحت واحدة من أهم المفاتيح التي يمكن من خلالها قراءة مشروعه الروائي وفهم رؤيته للمجتمع والإنسان.
الفلسفة وتكوين رؤية نجيب محفوظ
وتناول علام التكوين الفكري لنجيب محفوظ، ولا سيما علاقته بالفلسفة، موضحًا أن محفوظ درس الفلسفة في كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول، وحصل على الليسانس عام 1934، ثم بدأ الإعداد لرسالة ماجستير حول «فلسفة الجمال في الإسلام» تحت إشراف الشيخ مصطفى عبد الرازق، قبل أن يعتذر عن استكمالها ويتفرغ للأدب.
وأشار إلى أن توقف محفوظ عن الدراسة الأكاديمية للفلسفة لم يكن معناه ابتعاده عنها فكريًا، إذ ظلت الأسئلة الفلسفية حاضرة في أعماله، ومن بينها أسئلة المصير والوجود والموت والحرية والعدل والخير والشر وعلاقة الإنسان بالقوة العليا.
وأوضح علام أن فلسفة محفوظ لم تتشكل من مصدر واحد، وإنما جاءت نتيجة تفاعل مجموعة من الروافد الفكرية والثقافية، من بينها الفلسفة والتراث الديني والثقافة الشعبية والتاريخ المصري والواقع الاجتماعي والتجربة الشخصية والاحتكاك بالناس والمكان.
محفوظ والتاريخ المصري
وربط علام بين تجربة محفوظ الأدبية والتحولات الكبرى التي شهدها المجتمع المصري، مشيرًا إلى أن محفوظ عاش فترة تاريخية شديدة الثراء والتحول، فشهد ثورة 1919 في طفولته، ثم عاصر التحولات السياسية والاجتماعية التي تلتها، وصولًا إلى ثورة يوليو 1952 وما أحدثته من تغيرات عميقة في بنية المجتمع المصري.
وأوضح أن هذه التحولات لم تكن منفصلة عن عالم محفوظ الأدبي، بل انعكست على الشخصيات والأمكنة والصراعات التي قدمها، وجعلت من الرواية وسيلة لرصد التحولات التي طرأت على المجتمع المصري، سواء على المستوى الاجتماعي أو السياسي أو الفكري.
وأكد أن الحارة عند نجيب محفوظ تتجاوز كونها إطارًا مكانيًا للأحداث، لتصبح بنية دلالية ورمزية يمكن من خلالها قراءة المجتمع المصري والإنسان بصورة عامة؛ فقد تمثل الحارة مصر، وقد تتحول إلى نموذج للمجتمع الإنساني، كما يمكن أن تصبح فضاءً رمزيًا للصراع بين السلطة والإنسان، وبين الخير والشر، وبين المعرفة والجهل، وبين الرغبة في التغيير وقوة الموروث.
وبذلك تكشف قراءة الحارة في أدب نجيب محفوظ عن قدرة الكاتب على تحويل المكان اليومي المألوف إلى عالم أدبي واسع، يحمل مستويات متعددة من الدلالة، ويتيح للقارئ الانتقال من تفاصيل الزقاق والمقهى والبيت والدكان إلى أسئلة كبرى تتعلق بالإنسان والمجتمع والتاريخ والوجود.
واختُتمت الندوة بإدارة الشاعرة سيدة فاروق للحوار والمداخلات، بمشاركة عدد كبير من الحضور، من بينهم محمد كمال، ومحمد مالك، ومصطفى بهنساوي، ومحمد ماجد، وفرح فتحي، وليلى محمد، ومحمد عبد العال، وأميرة معتز، وغيرهم.










