رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بعد فيضان نيبال.. أعنف الفيضانات في سجل الكوارث الطبيعية

 فيضان نيبال
فيضان نيبال

أعاد الفيضان المفاجئ الذي اجتاح مناطق حدودية بين نيبال والصين، مخلفًا عشرات القتلى ومئات المفقودين، إلى الأذهان سجلًا طويلًا من الفيضانات التي تحولت عبر التاريخ إلى كوارث إنسانية هائلة، فالمياه التي تبدو في بدايتها ظاهرة طبيعية عابرة يمكن أن تتحول خلال ساعات إلى قوة مدمرة تجرف المنازل والطرق والجسور، وتترك خلفها أعدادًا ضخمة من الضحايا والمشردين، خاصة عندما تتزامن الأمطار الغزيرة مع انهيارات أرضية أو ارتفاع مفاجئ في منسوب الأنهار.

وشهدت مناطق واسعة من نيبال سيولًا قوية، خصوصًا على امتداد نهر بوتيكوشي، بعدما تسببت موجة مائية هائلة في جرف عدد من المنازل والمنشآت والطرق والجسور، فيما امتدت تداعيات الكارثة إلى الجانب الصيني من الحدود، ووفق أحدث البيانات الواردة من الشرطة النيبالية، ارتفعت حصيلة الضحايا إلى 157 قتيلًا، بينما لا يزال مئات الأشخاص في عداد المفقودين، وسط استمرار عمليات البحث والإنقاذ ومحاولات الوصول إلى المناطق التي عزلتها السيول والانهيارات.

فيضان وسط الصين1931

يأتي فيضان وسط الصين عام 1931 على رأس قائمة أكثر الفيضانات فتكًا في التاريخ، مع اختلاف كبير بين التقديرات الخاصة بحصيلة الضحايا، فقد ضربت الفيضانات مساحات واسعة من البلاد، خاصة أحواض أنهار اليانغتسي وهواي والنهر الأصفر، بعد أمطار غزيرة وظروف جوية استثنائية أدت إلى ارتفاع مستويات المياه وغمر مناطق سكنية وزراعية واسعة.

ولم تتوقف الكارثة عند الغرق المباشر، إذ أدى تدمير الأراضي الزراعية ونقص الغذاء والمياه النظيفة إلى انتشار المجاعة والأمراض، وهو ما تسبب في ارتفاع أعداد الوفيات خلال الأشهر التالية، ولهذا تتراوح التقديرات التاريخية لحصيلة ضحايا فيضان 1931 بصورة كبيرة، إذ تقدر بعض المصادر العدد بنحو مليوني شخص، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أرقام أعلى بكثير عند احتساب الوفيات غير المباشرة التي أعقبت الكارثة.

النهر الأصفر

وفي عام 1887، شهدت الصين واحدة من أكثر الكوارث دموية عندما فاض النهر الأصفر بعد هطول أمطار غزيرة أدت إلى تجاوز المياه للسدود، فانطلقت المياه نحو المناطق المنخفضة واجتاحت مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والقرى والمدن، وكانت سرعة انتشار المياه وضعف وسائل الحماية والإنقاذ في ذلك الوقت من أبرز العوامل التي ساهمت في ارتفاع عدد الضحايا.

وتختلف التقديرات المتعلقة بعدد الوفيات في هذه الكارثة، إلا أن بعض المصادر تضع الحصيلة بين مئات الآلاف ومليوني شخص، خاصة مع احتساب الوفيات التي وقعت لاحقًا بسبب المجاعة والأمراض، كما أدى تدمير الأراضي الزراعية إلى فقدان مصادر الغذاء وسبل المعيشة، لتتحول الكارثة من فيضان مدمر إلى أزمة إنسانية استمرت آثارها لفترة طويلة.

فيضان اليانغتسي 

لم يكن فيضان عام 1931 نهاية الكوارث الكبرى التي تعرض لها نهر اليانغتسي، ففي عام 1935 تعرضت مناطق واسعة في الصين لفيضانات شديدة أسفرت، وفق تقديرات تاريخية، عن وفاة نحو 145 ألف شخص وتشريد الملايين، وغمرت المياه مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمناطق السكنية، ما تسبب في خسائر كبيرة للسكان والاقتصاد المحلي، وأجبر أعدادًا كبيرة من السكان على مغادرة مناطقهم.

وكانت آثار الفيضان أكثر قسوة بسبب الظروف الصحية والغذائية الصعبة التي أعقبته، إذ أدى فقدان المحاصيل وتدمير مصادر المياه وانتشار الأمراض إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، وتكشف هذه الكارثة عن طبيعة الفيضانات الكبرى التي لا تنتهي آثارها بانحسار المياه، بل يمكن أن تستمر من خلال المجاعات والأوبئة وتدمير مصادر الدخل، وهو ما يجعل تقدير حجم الكارثة مرتبطًا بما خلفته المياه من آثار مباشرة وغير مباشرة.

سد بانكياو

وفي عام 1975، شهدت الصين واحدة من أشهر كوارث انهيار السدود في التاريخ، عندما انهار سد بانكياو في مقاطعة خنان بعد هطول أمطار استثنائية ارتبطت بإعصار نينا، وخلال فترة قصيرة، تحولت كميات ضخمة من المياه خلف السد إلى موجة جارفة اجتاحت مناطق واسعة، كما أدى انهيار السد إلى سلسلة من الانهيارات في سدود أخرى بالمنطقة، ما ضاعف حجم الدمار وصعّب عمليات الإنقاذ.

وتسببت الكارثة في تدمير أعداد هائلة من المنازل وتأثر ملايين السكان، بينما اختلفت التقديرات بشأن عدد الضحايا بصورة كبيرة، وتشير بعض التقديرات إلى وفاة عشرات الآلاف بصورة مباشرة، بينما ترفع تقديرات أخرى العدد إلى أكثر من 170 ألف شخص، وقد تصل إلى نحو 230 ألف وفاة عند احتساب ضحايا المجاعة والأمراض التي أعقبت الفيضانات، ما جعل كارثة بانكياو واحدة من أكثر الكوارث المرتبطة بالمياه إثارة للجدل في تقدير أعداد ضحاياها.

فيتنام 1971

وفي عام 1971، ضربت فيضانات شديدة مناطق واسعة من فيتنام بعد ارتفاع مناسيب الأنهار نتيجة الأمطار الموسمية الغزيرة، وكان نهر النهر الأحمر من أبرز المناطق المتضررة، وأسفرت الكارثة، وفق تقديرات تاريخية، عن وفاة نحو 100 ألف شخص، إلى جانب خسائر واسعة في المناطق السكنية والزراعية، وتدمير مساحات كبيرة من المحاصيل ومصادر رزق السكان.

وزادت ظروف الحرب التي كانت تعيشها فيتنام في ذلك الوقت من صعوبة التعامل مع آثار الفيضان، كما ساهم تدمير المحاصيل والمنازل والبنية الأساسية في تفاقم الأزمة، وظلت آثار الكارثة حاضرة لفترة طويلة، في ظل صعوبة إعادة بناء المناطق التي دمرتها المياه وتوفير الغذاء والخدمات للسكان المتضررين.

سانت فيليكس

وفي أوروبا، ارتبط تاريخ هولندا على مدار قرون بالفيضانات بسبب طبيعتها الجغرافية وانخفاض أجزاء واسعة من أراضيها عن مستوى سطح البحر، ومن بين أشهر الكوارث التاريخية فيضان سانت فيليكس الذي ضرب البلاد في الخامس من نوفمبر عام 1530، وتسبب في غرق مساحات واسعة من الأراضي والمناطق السكنية، وتدمير قرى وأراضٍ زراعية.

وأصبح ذلك اليوم معروفًا في التاريخ الهولندي باسم «السبت السيئ»، وتشير تقديرات تاريخية إلى أن الفيضان تسبب في وفاة أكثر من 100 ألف شخص، إلى جانب تدمير قرى ومناطق زراعية واسعة، وتظهر هذه الكارثة حجم المخاطر التي كانت تواجه المجتمعات الساحلية قبل ظهور أنظمة السدود الحديثة ووسائل الإنذار والإجلاء، عندما كانت موجات العواصف وارتفاع منسوب المياه قادرة على تغيير ملامح مناطق بأكملها خلال فترة قصيرة.

ويعيد فيضان نيبال الأخير تسليط الضوء على المخاطر التي تواجه المناطق الجبلية، خاصة مع تداخل الأمطار الغزيرة مع الانهيارات الأرضية والجليدية، ففي المناطق المرتفعة من جبال الهيمالايا، يمكن لانهيار كتلة صخرية أو جليدية أن يطلق كميات ضخمة من المياه والحطام نحو الأودية والأنهار، ما يحول السيول خلال دقائق إلى تدفقات طينية وصخرية شديدة التدمير قادرة على عزل قرى ومناطق سكنية عن محيطها.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء