إلى أين ينتهي الصراع الأمريكي الإيراني؟ نجاح محمد علي يجيب|خاص
ما بين ضغطة على زناد بندقية، وحوار على طاولة تفاوض، تباينت الطرق بين الولايات المتحدة وإيران منذ فبراير الماضي، بينما ظلت المسافة بين الحرب والدبلوماسية أقصر من أن تسمح لأحد الطرفين بإغلاق أي من البابين.
ففي الوقت الذي كانت فيه الصواريخ تتحدث بلغة النار، كانت قنوات خلفية تنقل رسائل بين واشنطن وطهران، وتتحرك عواصم إقليمية لفتح نافذة للحوار. وبينما تلوّح الولايات المتحدة بخيارات التصعيد، تعيد إيران ترتيب أوراقها العسكرية والأمنية، وتضع مضيق هرمز في قلب معادلة التفاوض.
اليوم، لم يعد السؤال فقط: هل تتوقف الحرب؟ بل بات أكثر تعقيداً: من الذي سيفرض شروط ما بعد الحرب؟ وهل تجلس طهران إلى طاولة التفاوض بحثاً عن تسوية، أم لتفاوض من موقع قوة استعداداً لجولة جديدة؟ التعيينات الأخيرة في المؤسسة العسكرية ما معناها؟.
في هذا الحوار مع «إيجبتك»، يقرأ الكاتب والباحث في الشؤون الإيرانية «نجاح محمد علي» آخر تطورات المواجهة الإيرانية الأمريكية، ويفكك رسائل طهران السياسية والعسكرية، ودلالات إعادة ترتيب منظومة القرار في إيران، ومستقبل المفاوضات غير المباشرة، وما الذي يعنيه وضع مضيق هرمز في صدارة شروط التفاوض.
بين البندقية وطاولة الحوار.. أين تقف إيران الآن؟ وإلى أين تتجه المواجهة مع الولايات المتحدة؟
يجيب "علي": بينما تتكثف الاتصالات غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران عبر وسطاء إقليميين، تبدو طهران وكأنها تتحرك وفق مسار مزدوج: إبقاء باب التفاوض مفتوحاً، بالتوازي مع إعادة بناء منظومة القرار العسكري والأمني على أساس أن خيار المواجهة لم ينتهِ، وأن الاستعداد للحرب يجب أن يظل حاضراً في الحسابات الإيرانية.
وهنا تكمن المفارقة التي تفسر جانباً كبيراً من التطورات الأخيرة؛ فالمفاوضات لم تختفِ، لكنها لم تعد بالضرورة تعني أن التسوية هي الخيار الإيراني الغالب.
المفاوضات مستمرة.. لكن دون اتفاق

حتى الآن، لم يتم التوصل إلى اتفاق بشأن إعادة إحياء التفاهم المؤقت الذي انهار بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انتهاءه. وتقول مصادر إيرانية إن طهران لا تناقش في الوقت الراهن تمديداً جديداً لوقف إطلاق النار، وإنما تطالب واشنطن بالعودة إلى الالتزامات السابقة.
وفي الوقت نفسه، تستمر الاتصالات غير المباشرة من خلال وسطاء إقليميين. وتتحرك سلطنة عُمان في هذا المسار، بينما تحاول باكستان إعادة إطلاق وساطتها بين الطرفين. بل إن تصريحات باكستانية حديثة تحدثت عن اقتراب الولايات المتحدة وإيران من «نوع من الترتيب».
وهذا يعني أن الوساطة لم تمت، لكنها تتحرك فوق أرضية شديدة الصعوبة والتعقيد.
مضيق هرمز يتحول إلى ورقة تفاوضية
لكن التطور الأكثر دلالة جاء من طهران نفسها، من خلال الموقف الذي عبّر عنه محسن رضائي، الذي أصبح أميناً للمجلس الأعلى للأمن القومي.
فقد وجّه رضائي رسالة باللغة الإنجليزية عبر منصة «إكس»، حدد فيها شروطاً صارمة لإعادة فتح مضيق هرمز، وربط ذلك بإنهاء الحرب، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء النزاعات الإقليمية، بما فيها لبنان وغزة.
وهذه المرة، جرى ذكر غزة بالاسم، الأمر هنا لا يتعلق بمجرد لهجة إعلامية أو رسالة سياسية عابرة، لأن إدخال غزة صراحة ضمن الشروط الإيرانية يحمل دلالة تفاوضية كبيرة. فهو يوسع نطاق التفاوض من العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران إلى صيغة إقليمية شاملة.
لم يعد الحديث فقط عن وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وإنما عن وقف العمليات في ساحات متعددة، وربط أمن الملاحة في مضيق هرمز بمصير جبهات أخرى في المنطقة.
صحيح أن مذكرة التفاهم التي ألغاها ترامب كانت تنص على وقف الحرب في جميع الجبهات، وركزت بصورة خاصة على لبنان، إلا أن رضائي ذكر هذه المرة وقف الحرب في غزة بالاسم.
وهنا تصبح الرسالة الإيرانية أكثر وضوحاً: "هرمز ليس مجرد ملف ملاحي، بل ورقة تفاوضية استراتيجية".
من يملك قرار استخدام ورقة هرمز؟
لكن السؤال الأهم هو: من الذي يقرر استخدام هذه الورقة؟ ومن يحدد حدود التصعيد أو التهدئة؟ التعيينات الأخيرة في قمة المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية تعطي مؤشراً بالغ الأهمية في هذا السياق.
فإعادة تشكيل القيادة لم تأتِ في صورة تعديل إداري محدود، وإنما اتخذت شكل إعادة بناء لسلسلة صنع القرار. ويأتي تعيين علي عبد اللهي في رئاسة هيئة الأركان، إلى جانب الاتجاه نحو دمج هيئة الأركان العامة ومقر خاتم الأنبياء، ليقرب المسافة بين التخطيط الاستراتيجي والتنفيذ العملياتي.
وهذا التحول بالغ الدلالة في زمن الحرب.
فعندما يصبح مركز التخطيط أقرب إلى مركز العمليات، تقل المسافة بين القرار السياسي والعسكري وبين القدرة على تنفيذه. كما أن صعود شخصيات مرتبطة بالحرس والعمليات البحرية والأمن والاستخبارات يشير إلى أن طهران لا تعيد بناء مؤسساتها استعداداً للتفاوض فقط، وإنما تستعد أيضاً لاحتمال استمرار المواجهة.
بمعنى آخر، رفعت طهران سقف الردع، وبدأت تتعامل مع خيار **«الحرب أولاً»** باعتباره احتمالاً يجب الاستعداد له، حتى وإن بقيت قنوات التفاوض مفتوحة.
محسن رضائي.. نقطة تقاطع بين الأمن والحرب والدبلوماسية
الأكثر دلالة في هذه المعادلة هو موقع محسن رضائي نفسه، فالجمع بين أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي والدور المرتبط بالقيادة ممثلاً عنها، يضع شخصية عسكرية تاريخية في نقطة تقاطع بين الأمن والحرب والدبلوماسية.
وهذا يعني أن المسار التفاوضي لن يكون منفصلاً عن الحسابات العسكرية، بل سيكون على الأرجح جزءاً منها، ومن هنا يمكن أيضاً قراءة عودة حسين طائب إلى قيادة الباسيج.
فالرسالة لا تتعلق بالجبهة الخارجية وحدها؛ إذ يبدو أن إيران تستعد أيضاً لاحتمالات إعادة إنتاج سيناريوهات الاضطراب الداخلي، من خلال التعامل مع الضغوط الخارجية والاقتصادية والأمنية في آن واحد، أي أن إعادة بناء الدولة الأمنية تسير بالتوازي مع إعادة بناء الدولة العسكرية.
إيران تفاوض.. لكنها تعيد بناء قدرتها على الحرب
وهذا يقود إلى نتيجة مختلفة عن القراءة السطحية التي ترى في الوساطات الحالية مؤشراً تلقائياً على قرب التوصل إلى اتفاق.
قد تكون طهران تفاوض، نعم، لكنها تفاوض وهي تعيد بناء قدرتها على الحرب، والدليل الآخر هو طبيعة الشروط التي تطرحها.
فالإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب، والتوصل إلى وقف إطلاق نار إقليمي شامل، وربط كل ذلك بإعادة فتح مضيق هرمز، تعني أن إيران لا تتعامل مع المضيق كورقة منفصلة يمكن التنازل عنها مقابل خطوة محدودة.
إنها تحاول تحويل هرمز إلى جزء من صفقة استراتيجية أوسع.
واشنطن تريد فتح هرمز.. وطهران تربطه بالتسوية
في المقابل، تريد واشنطن إعادة فتح المضيق واستعادة حركة الملاحة، بينما لا تزال القضايا النووية والعقوبات والأمن الإقليمي حاضرة في أي مسار تفاوضي محتمل.
وقد أشارت تقارير سابقة إلى أن الوسطاء الإقليميين يحاولون إعادة إحياء التفاهم الأمريكي الإيراني بعد انهياره، في وقت ظل فيه ترامب يعلن رغبته في تجنب حرب شاملة، مع استمرار الضغط على طهران.
وبالتالي، نحن أمام معادلة شديدة التعقيد: وساطة من الخارج، ومفاوضات غير مباشرة، وإعادة تسليح وتنظيم من الداخل.
وهذه المعادلة تفسر أيضاً ارتفاع حضور السيد مجتبى خامنئي في الخطاب الإيراني خلال الأيام الأخيرة.
إبراز القيادة.. رسالة تتجاوز الصورة

الرسالة التي تريد طهران إيصالها من خلال إبراز القائد الجديد وصور اجتماعاته وظهوره، ليست بالضرورة مرتبطة بالصورة الشخصية وحدها؛ إنها مرتبطة بإظهار أن مركز القرار موجود، وأن القيادة قادرة على إدارة الدولة والحرب والتفاوض في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن «من يحكم إيران فعلياً» أقل أهمية من سؤال آخر: أي اتجاه بات يحكم القرار الإيراني؟
المؤشرات المتراكمة تقول إن الاتجاه العسكري اكتسب وزناً أكبر.
وهذه المعادلة تفسر أيضاً ارتفاع حضور السيد مجتبى خامنئي في الخطاب الإيراني خلال الأيام الأخيرة.
الرسالة التي تريد طهران إيصالها من خلال إبراز القائد الجديد وصور اجتماعاته وظهوره، ليست بالضرورة مرتبطة بالصورة الشخصية وحدها، وإنما ترتبط بإظهار أن مركز القرار موجود، وأن القيادة قادرة على إدارة الدولة والحرب والتفاوض في الوقت نفسه.
وفي هذا السياق، يصبح الحديث عن «من يحكم إيران فعلياً» أقل أهمية من سؤال آخر:
أي اتجاه بات يحكم القرار الإيراني؟
المؤشرات المتراكمة تقول إن الاتجاه العسكري اكتسب وزناً أكبر، لكن ذلك لا يعني أن إيران أغلقت باب الدبلوماسية.
على العكس، فإن الوساطة العمانية والجهد الباكستاني يثبتان أن قناة التفاوض ما زالت ذات قيمة بالنسبة إلى الطرفين. لكن قيمة هذه القناة ربما تغيرت؛ فلم تعد مجرد طريق إلى اتفاق سريع، وإنما أصبحت جزءاً من صراع على شروط الاتفاق نفسه.
رسالة رضائي تقول: فتح هرمز قد يكون نتيجة التفاوض، وهنا تظهر أهمية تغريدة رضائي.
فاللغة التي اختارها، والجمهور الدولي الذي خاطبه باللغة الإنجليزية، والشروط التي وضعها، كلها تشير إلى أن طهران تريد أن تصل الرسالة إلى الطرف الآخر مباشرة:
إعادة فتح مضيق هرمز ليست بالضرورة بداية التفاوض؛ قد تكون نتيجته.
وهذه نقطة فارقة في فهم الموقف الإيراني، فإذا صحت هذه القراءة، فإن إيران لا تنتقل ببساطة من الحرب إلى السلام، وإنما تنتقل من إدارة الحرب إلى إدارة التفاوض من موقع الحرب.
وهذا يفسر لماذا تبدو التعيينات الأخيرة أكثر أهمية من مجرد تغيير أسماء في المناصب.
إعادة بناء هرم القيادة
طهران تعيد بناء هرم القيادة، وتقرب التخطيط من التنفيذ، وتعزز حضور الحرس في مراكز القرار، وتعيد ترتيب أدوات الأمن الداخلي، وتضع شخصية عسكرية مثل رضائي في قلب المؤسسة التي تربط الأمن القومي بالسياسة الخارجية.
وفي الوقت نفسه، تترك الباب مفتوحاً أمام عُمان وباكستان وغيرهما من الوسطاء،والنتيجة ليست سلاماً وشيكاً، وليست بالضرورة حرباً جديدة مؤكدة.
إنها مرحلة يمكن وصفها بأنها: «تفاوض تحت سقف الحرب».
ماذا ينتظر المنطقة في الأيام المقبلة؟
وهذا هو التطور الذي يستحق المتابعة في الأيام المقبلة: هل تنجح الوساطات في تحويل الشروط الإيرانية إلى اتفاق قابل للتنفيذ؟ أم أن إعادة بناء القيادة العسكرية ستمنح خيار المواجهة وزناً أكبر، بحيث تصبح المفاوضات مجرد أداة لتحسين شروط الحرب؟
حتى الآن، لا تسمح المؤشرات بالقول إن الدبلوماسية انتصرت.
لكنها تسمح بالقول إن طهران تريد أن تتفاوض وهي أكثر استعداداً للحرب.
وهذا تحديداً ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر خطورة وتعقيداً.





