من هرمز لباب المندب.. نجاح محمد علي يكشف كواليس أخطر مرحلة في الصراع|خاص
في خضم مشهد مضطرب، وفي ظل أوضاع لا تنفك أن تهدأ حتى تعاود الإلتهاب مرة أخرى بين إيران والولايات المتحدة، في هذا الوقت تتشابك الرسائل العسكرية مع التحركات الدبلوماسية، وتتصدر الوساطات الإقليمية المشهد، وسط تساؤلات متزايدة حول ما إذا كانت المنطقة تتجه نحو انفراجة سياسية أم نحو مواجهة أكثر اتساعًا.
في هذا الحوار ل "إيجيبتك" مع الباحث والخبير في الشأن الإيراني والإقليمي نجاح محمد علي يعرج فيه على ملفات الأزمة من زواياها المختلفة، مقدمًا قراءة معمقة لحقيقة الموقف الإيراني، ودلالات الوساطتين الباكستانية والقطرية، وكواليس التحركات داخل دوائر صنع القرار في طهران، كما يناقش مستقبل المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، واحتمالات اتساعها من مضيق هرمز إلى باب المندب، وانعكاسات ذلك على أمن المنطقة والعالم
هل توسلت طهران الوساطة كما يقول ترامب؟
يقول نجاح محمد علي: في تقديري، العكس هو الصحيح. ايران لم تطلب وساطة أو أنها “تتوسل” للتوصل إلى اتفاق، كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
مثل هذه التصريحات تندرج في إطار الحرب النفسية والإعلامية التي ترافق المواجهات الكبرى، وتهدف إلى إظهار الخصم في موقع المنهك أو المتراجع، أكثر مما تعكس بالضرورة حقيقة ما يجري في القنوات الدبلوماسية المغلقة.
ويؤكد علي: المعطيات المتوافرة حتى الآن تشير إلى أن طهران لم تطلب وساطة، لكنها في الوقت نفسه لم تغلق الباب أمام أي جهود صادقة لخفض التصعيد، وفي مقدمتها التحركات الباكستانية والقطرية.
وهذا فارق جوهري؛ فقبول الاستماع إلى مبادرات الوسطاء لا يعني الانتقال إلى موقع طالب التسوية أو القبول بالشروط الأمريكية، وإنما يعكس إدراكاً بأن إدارة الصراع تحتاج دائماً إلى مسارين متوازيين: مسار الردع ومسار الدبلوماسية.
المرشد يحضر اجتماع الأمن القومي
وفي هذا السياق، تبرز معلومة بالغة الأهمية تكشف طبيعة التفكير داخل مؤسسات صنع القرار الإيراني. فبحسب مصادر عالية المستوى ، شهد أمس الأول الأثنين اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، حضره المرشد مجتبى خامنئي بوصفه قائد البلاد، وتم خلال
الاجتماع التأكيد على ضرورة إنهاء حالة “اللاحرب واللاسلم”، ورفض التطبيع مع حالة العدوان الأمريكي المستمر على إيران، مع التشديد على أن أي مسار تفاوضي يجب ألا يؤدي إلى تكريس الضغوط أو تحويلها إلى أمر اعتيادي. وهذا يعكس بالتأكيد توجهاً استراتيجياً يرى أن المشكلة ليست فقط في وقوع العدوان، بل في الاعتياد عليه والتكيف معه.
وهذه النقطة بالذات هي مفتاح فهم السياسة الإيرانية الحالية. فداخل دوائر صنع القرار في طهران يوجد إدراك متزايد بأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس استمرار الضربات أو العقوبات بحد ذاتها، وإنما تحولها إلى واقع دائم تتعايش معه الدولة والمجتمع، بحيث يصبح العدوان جزءاً من المشهد الطبيعي.
ومن منظور الأمن القومي، فإن هذا السيناريو أخطر من العدوان نفسه، لأنه يؤدي تدريجياً إلى تآكل معادلة الردع، ويشجع الخصم على الاعتقاد بأن بإمكانه مواصلة الضغوط من دون دفع ثمن حقيقي.
الوساطة الباكستانية هل عادت من جديد وهل هناك وسطاء جدد؟
يقول "علي": تكتسب الوساطة الباكستانية أهمية خاصة في هذه المرحلة وهي تظل من وجهة نظر ايران جزءًا من الحرب ، رغم العلاقات الجيدة التي تربط إسلام آباد بطهران والملفات الثنائية حول الامن في مناطق الحدود ومواجهة الارهاب وتجار المخدرات هناك.
ولهذا جاءت زيارة وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني إلى باكستان بدعوة من إسلام أباد ، ولقاؤه برئيس الوزراء شهباز شريف وقائد الجيش المشير عاصم منير، في توقيت بالغ الحساسية، بما يعكس وجود حراك سياسي يهدف إلى منع الانزلاق نحو مواجهة شاملة، مع الحفاظ على خطوط الاتصال مفتوحة من واقع قدرة إسلام آباد على التواصل مع أطراف متعددة
كما أن قطر ما زالت تؤدي دوراً مهماً في الاتصالات غير المباشرة، مستفيدة من خبرتها السابقة في هذا النوع من الوساطات.
لا اتفاق وشيك
يضيف "محمد علي": لكن من المهم التأكيد أن هذه التحركات لا تعني وجود اتفاق وشيك، ولا تعني أن إيران تراجعت عن مواقفها الأساسية، بل تعكس محاولة لمنع انفلات الوضع في منطقة أصبحت تقف على حافة مواجهة أوسع، حيث تستعد إيران لتوسيع دائرة الرد الأفقي على العدوان الأمريكي و بذلك فهي تسد الذرائع و تتقبل الوساطات لكنها لاتطلبها.
الرسائل السياسية والاقتصادية
ولذلك فإن أي تصعيد فيه يحمل رسائل سياسية قبل أن تكون عسكرية، كما أن أي تهدئة فيه ستكون نتيجة تفاهمات سياسية قبل أن تكون ترتيبات أمنية.
اقتصادياً، تدرك إيران كما تدرك الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي أن أي اضطراب طويل الأمد في مضيق هرمز ستكون له انعكاسات مباشرة على أسعار النفط والغاز وسلاسل الإمداد العالمية.
ولهذا فإن معظم القوى الإقليمية لا تبحث فقط عن وقف إطلاق النار، بل عن منع الوصول إلى نقطة يصبح فيها التصعيد خارج السيطرة.
خطاب ترامب وسياسة الضغوط القصوى
أما عن تصريحات ترامب، فمن الصعب التعامل معها باعتبارها توصيفاً دقيقاً لما يجري.
فهي تأتي في سياق خطاب سياسي يهدف إلى التأثير في الرأي العام الأمريكي والدولي، وإظهار أن سياسة الضغوط القصوى تؤتي ثمارها.
لكن الوقائع المتوافرة لا تؤكد أن طهران طلبت اتفاقاً أو أرسلت رسائل استسلام، بل تشير إلى استمرار تمسكها بشروطها الأساسية، مع استعدادها للاستماع إلى الوسطاء إذا كانوا قادرين على تقديم إطار يحفظ المصالح الإيرانية.
الصراع مستمر
وفي تقديري، فإن الصراع الحالي لن ينتهي قريباً، لأنه لا يتعلق فقط بالملف النووي أو بالعقوبات، وإنما يمتد إلى شكل النظام الأمني في المنطقة، ومستقبل الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وتوازنات النفوذ الإقليمي، والعلاقة مع القوى الصاعدة مثل الصين وروسيا، فضلاً عن الصراع على طرق الطاقة والتجارة الدولية.
لذلك قد نشهد هدنات مؤقتة، وربما جولات تفاوض غير مباشرة، لكن من المستبعد أن نشهد تسوية نهائية في المدى المنظور، لأن جذور الأزمة ما زالت قائمة، ولأن كلا الطرفين يحاول تحسين موقعه التفاوضي قبل الانتقال إلى أي اتفاق.
إدارة صراع معقد
وخلاصة القول، إن ما يجري اليوم ليس مفاوضات بين طرف منتصر وآخر مهزوم، بل محاولة لإدارة صراع معقد تتداخل فيه القوة العسكرية مع الاقتصاد والدبلوماسية والحرب النفسية.
وإيران، بحسب قراءتي، لا تريد حرباً مفتوحة، لكنها في الوقت نفسه لا تريد أن يتحول العدوان الأمريكي والعقوبات والاغتيالات والضغوط إلى حالة طبيعية يتكيف معها الجميع.
ولذلك فإنها تحاول الجمع بين الردع العسكري، والإصلاح الداخلي، والانفتاح المدروس على الوساطات، مع رفض أي مسار يؤدي إلى التطبيع مع العدوان أو تكريس معادلة “اللاحرب واللاسلم” بوصفها واقعاً دائماً.
والحكم الحقيقي على اتجاه الأزمة لن يكون من خلال التصريحات الإعلامية، بل من خلال ما إذا كانت الوساطات الباكستانية والقطرية ستنجح في تحويل الاتصالات غير المباشرة إلى تفاهمات عملية، وفي الوقت نفسه ما إذا كانت واشنطن ستتخلى عن سياسة الضغوط المستمرة بوصفها الأداة الرئيسية في التعامل مع إيران.
دخول صنعاء على الخط
هناك نقطة استراتيجية لا ينبغي إغفالها عند قراءة المشهد الحالي، وهي دخول صنعاء بصورة أكثر مباشرة في معادلة التصعيد.
فإذا مضت القيادة في صنعاء في تنفيذ تهديداتها وربطت أي تهدئة برفع الحصار عن الموانئ والمطارات اليمنية، فإن الأزمة لن تبقى محصورة في مضيق هرمز، بل ستتوسع لتشمل باب المندب أيضاً.
ومن منظور استراتيجي، فإن وجود بؤرتي ضغط على اثنين من أهم الممرات البحرية في العالم يمنح إيران هامشاً سياسياً وعسكرياً أوسع، حتى لو لم تكن هي التي تدير كل خطوة ميدانياً.
ولذلك فإن استمرار الحصار على اليمن قد يتحول إلى عامل يزيد من تعقيد الأزمة بدلاً من احتوائها، لأن صنعاء قد ترى أن الظرف الإقليمي الحالي فرصة لإعادة طرح هذا الملف بقوة أكبر.
آلية تخفيف الضغوط
ومن هذا المنطلق، قد يكون من مصلحة جميع الأطراف، بما فيها السعودية، البحث عن آلية عملية لتخفيف أو إنهاء القيود المفروضة على الموانئ والمطارات إذا كان الهدف هو منع اتساع رقعة المواجهة.
أما إذا بقي هذا الملف دون معالجة، فإن أي تصعيد من جانب صنعاء قد يفرض تحديات إضافية على حركة الملاحة والتجارة في البحر الأحمر، بالتوازي مع التوتر القائم في مضيق هرمز، وهو ما يضاعف الضغوط على الولايات المتحدة وحلفائها، لأنهم سيجدون أنفسهم أمام أزمتين بحريتين متزامنتين بدلاً من أزمة واحدة.
التحديات أمام ترامب
وهنا يبرز التحدي أمام إدارة ترامب؛ فإذا استمرت في سياسة الضغوط العسكرية على إيران من دون وجود مسار سياسي متماسك لمعالجة الملفات الإقليمية المرتبطة بها، فقد تواجه واقعاً أكثر تعقيداً، حيث تتداخل جبهات التوتر من الخليج إلى البحر الأحمر.
وفي هذه الحالة، لن يكون السؤال مقتصراً على كيفية التعامل مع إيران، بل أيضاً على كيفية احتواء تداعيات أي تصعيد في اليمن وانعكاساته على أمن الطاقة والملاحة الدولية.
لذلك، فإن نجاح أي جهد دبلوماسي لن يعتمد فقط على التفاهم مع طهران، وإنما كذلك على معالجة بؤر التوتر الإقليمية التي يمكن أن تؤثر في مسار الأزمة بأكملها.





