من داخل «بيت المرشد»: نجاح محمد علي يشرح «الإختفاء الاستراتيجي» لمجتبى|خاص
حين يتحدث "العارفُ بخبايا الأروقة"، تصمتُ الشائعات، فمن داخل أعمق دوائر الحكم في طهران، ومن بين جدران "بيت المرشد" التي يعرف تفاصيلها وخباياها معرفةً وثيقة، يصيغ لنا المحلل والعارف بشؤون إيران نجاح محمد علي، التفاصيل الدقيقة حول صحة المرشد الإيراني والغياب الإستراتيجي الذي أراده مجتبي خامنئي.
يؤكد لنا علي إن ما يُروَّج له حول صحة آية الله السيد مجتبى خامنئي ليس مجرد تساؤلات إعلامية، بل هو "فخ استخباراتي" عالي الدقة، يهدف إلى كسر "درع الصمت" الذي تفرضه القيادة في زمن المواجهة الكبرى.
المرشد تعافى تماما

يشرح نجاح محمد علي لـ إيجبتك تفاصيل صحة المرشد الحالي لإيران مجتبي خامنئي: من موقعي المطلع على أدق التفاصيل من داخل أروقة القرار، أؤكد أن السيد مجتبى قد تعافى تماماً من الإصابة التي لحقت به جراء العدوان الأخير، وهو اليوم في كامل عافيته ونشاطه.
ويضيف علي، لكن، لماذا يصر الخصم الصهيو-أمريكي على استدراجه للظهور؟ ولماذا تلتزم القيادة هذا الغياب المدروس؟ الإجابة لا تكمن في "المرض" كما يزعمون، بل في "المواجهة"؛ فالعدو لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن "إحداثيات" عسكرية مخبأة بين ثنايا الصور والظلال.
فما كتبته الصحفية فرناز فاسيحي، الأمريكية ذات الأصل الإيراني في "نيويورك تايمز" حول صحة المرشد الإيراني آية الله مجتبى خامنئي، ليس مجرد تقرير صحفي، بل هو "فخّ استخباراتي" مكتمل الأركان، يحاول جرّ القيادة من مربع الفعل إلى مربع الانفعال، بهدف دفع الأمور نحو لحظة "إثبات" إعلامية تضطر فيها القيادة لإظهاره علنياً.
حقيقة الوضع الصحي و"الاستدراج"
ويضيف نجاح محمد علي والذي زار المرشد الأعلى السابق علي خامنئي، في إيران أكثر من مرة في المجمع الذي تم تفجيره، إن المعطيات الموثوقة من قلب الحدث تؤكد أن السيد مجتبى قد تعافى تماماً من إصابته، لكن الغرب لا يبحث عن الحقيقة، بل يبحث عن "الصورة".
وهنا تكمن اللعبة: فالخصم لا يريد الاطمئنان على سلامة القائد، بل يريد استدراجه إلى عدسات الكاميرا، ليحول كل بكسل في صورته إلى "إحداثيات" عسكرية، وكل ظلّ خلفه إلى "بنك أهداف" جديد.
غير أن الجهد الغربي لا ينصبُّ في الحقيقة على التأكد من وضعه الصحي، بقدر ما يهدف إلى "استدراجه" للظهور العلني. وهنا تكمن العقدة والجوهر: فالخارج لا يبحث عن طمأنة الجمهور الإيراني، بل يهدف إلى كشف ما يجب أن يظل مخفياً لأسباب أمنية.
دورة عدوان
في ظل الحرب الحالية، حيث ينفذ الجانب الأميركي دورة عدوان مستمرة تعتمد على (الضغط ثم التهديد ثم الاغتيال والحرب، فالمفاوضات، ثم العودة للضغط والتهديد والاغتيال)، لم يعد الظهور الإعلامي مجرد حدث بسيط أو عابر.
إن كل صورة يتم التقاطها، وكل مقطع فيديو يتم بثه، يتحول على الفور إلى مادة للتحليل المتقدم؛ إذ تستخدم مراكز متخصصة تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل الظلال، وأنماط الإضاءة، وانعكاسات الأصوات، وحتى التفاصيل الدقيقة المتناهية في الخلفية.
وعبر هذه الأدوات التقنية، يمكن للعدو تحديد الموقع الجغرافي بدقة متناهية، أو استنتاج توقيت التسجيل، أو حتى الإحاطة بالظروف الأمنية المحيطة بالمكان.
بمعنى آخر، فإن أي ظهور إعلامي غير محسوب بدقة قد يقدم للعدو "بنك معلومات" كاملاً وجاهزاً، دون أن يضطر الخصم لبذل جهود في الاختراق أو التجسس المباشر. وهنا تتحول "الشفافية الإعلامية" المطالب بها إلى ثغرة أمنية في غاية الخطورة.
"الغموض الاستراتيجي"

من هذا المنطلق، يصبح غياب السيد مجتبى خامنئي عن الشاشات ليس علامة على الغموض المجهول أو الضعف، وإنما هو جزء أصيل من المعركة وتجسيد حي لما يُعرف بـ "الغموض الاستراتيجي". هذا المفهوم، الراسخ في الأدبيات العسكرية والسياسية، يقوم على الامتناع المتعمد عن تقديم أي معلومات حساسة، وترك مساحة واسعة من "عدم اليقين" لدى الخصم. هذه المساحة بحد ذاتها تخلق حالة من الإرباك للعدو، وتمنعه من بناء أي تقديرات استخباراتية دقيقة.
في المقابل، يحاول الإعلام الغربي، والأميركي على وجه الخصوص، كسر هذا الغموض عبر ممارسة ضغط متواصل، مستخدماً ما يدعي أنها "مصادر من الداخل"، وغالباً ما يكون هؤلاء عبارة عن صحفيين أو محللين من أصول إيرانية يحملون جنسيات غربية (وأميركية تحديداً).
يتم تقديم هؤلاء للجمهورعلى أنهم شهود موثوقون، بينما هم في الواقع العملي يمثلون جزءاً من منظومة إنتاج الرواية الموجهة، وليسوا ناقلين للحقيقة، الهدف من ذلك واضح تماماً: خلق سردية ضاغطة تجبر القيادة على الرد، ولكن الرد في هذه الحالة هو بالضبط ما يسعى الخصم للحصول عليه.
عدم تقديم معلومة مجانية
ويضيف الكاتب العراقي أن الأذكى من ذلك كله هو كيفية "إدارة الصمت"، فهو ليس صمتاً سلبياً ناتجاً عن عجز، بل هو صمت مدروس بعناية يوازن بين ضرورة طمأنة الداخل وبين عدم تقديم أي معلومة مجانية للخارج. ويمكن صياغة هذه المعادلة الدقيقة كالتالي: "قول ما يكفي لطمأنة الجمهور، وعدم قول ما يكفي لإفادة العدو".
هذه الاستراتيجية ترتبط بسياق أوسع؛ حيث تنتقل الضغوط أيضاً إلى طاولة المفاوضات. فكما يسعى الخصم لاستدراج القائد للظهور الإعلامي، يحاول كذلك استدراج القرار السياسي إلى بيئات تفاوضية غير آمنة خارج الحدود، حيث يمكن ممارسة ضغوط متعددة الأبعاد.
لكن التجربة أثبتت أن من يمسك بزمام المبادرة لا يتحرك وفق الإيقاع الذي يفرضه الآخرون. إن الإصرار على إدارة التفاوض بشروط وطنية وفي بيئة آمنة هو امتداد لنفس الفلسفة: حماية القرار من الاختراق، وحماية المعلومة من التسريب.
لن نمنحكم ما تريدون
وفي النهالية يشرح لنا علي إن ما يميز هذه المرحلة التاريخية هو تداخل الجبهات بشكل معقد: الإعلام، الاستخبارات، السياسة، والتكنولوجيا؛ وكل جبهة منها تمتلك القدرة على التأثير في الأخرى. لذا، فإن أي قرار، حتى لو بدا بسيطاً كظهور إعلامي، يجب أن يُحسب بدقة ضمن هذه المنظومة المعقدة.
في هذا الإطار، يجب فهم عدم ظهور السيد مجتبى خامنئي؛ فهو ليس حالة استثنائية، بل جزء من إدارة واعية لمعركة متعددة الأبعاد، إنها رسالة ضمنية حازمة تقول: "لن نتحرك وفق شروطكم، ولن نمنحكم ما تبحثون عنه".
وفي نهاية المطاف، يبقى الثابت أن القوة لا تُقاس فقط بما يُعرض على الشاشات، فهذا ليس سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، بل بما يُدار باقتدار خلف الكواليس، وأن الغموض، حين يكون مدروساً وممنهجاً، يتحول من نقطة ضعف متوهمة إلى أداة ردع حقيقية.
فنحن نعيش في زمن تُستهدف فيه الصورة قبل الحقيقة، وبالتالي يصبح التحكم في هذه الصورة... شكلاً سيادياً من أشكال ممارسة السيادة.