قصر البارون.. تحفة معمارية خالدة في قلب مصر الجديدة
يُعد قصر البارون، والذي يعتبر من أبرز المعالم الأثرية والمعمارية في مصر، ويقع في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، بشارع العروبة على الطريق المؤدي إلى مطار القاهرة الدولي، كما يطل على شوارع ابن بطوطة وابن جبير وحسن صادق. ويتميز القصر بطرازه المعماري الفريد الذي يجمع بين الفن الأوروبي والزخارف المستوحاة من الحضارة الهندية والكمبودية، مما جعله أحد أهم المزارات التاريخية في العاصمة.
البارون إمبان ومشروع إنشاء مصر الجديدة
يرجع الفضل في إنشاء القصر وضاحية مصر الجديدة إلى البارون إدوارد لويس جوزيف إمبان، وهو رجل أعمال ومهندس وصناعي بلجيكي وُلد في 20 سبتمبر 1852. جاء إلى مصر في نهاية القرن التاسع عشر بعد افتتاح قناة السويس، بعدما حقق نجاحًا كبيرًا مع شقيقه فرانسوا إمبان في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، وخاصة إنشاء خطوط السكك الحديدية والترام والمترو في عدد من الدول. وقد مُنح لقب "بارون" عام 1907.
طرح البارون إمبان على الحكومة المصرية مشروع إنشاء حي سكني حديث في الصحراء الواقعة شرق القاهرة، وأطلق عليه اسم "هليوبوليس" أي "مدينة الشمس". وقد اشترى الأرض بسعر رمزي نظرًا لافتقار المنطقة آنذاك إلى المرافق والخدمات ووسائل المواصلات.
ولتشجيع السكان على الانتقال إلى الحي الجديد، عمل على توفير شبكة مواصلات حديثة، فكلف المهندس البلجيكي أندريه برشلو، الذي كان يعمل مع شركة مترو باريس، بإنشاء خط ترام يربط الضاحية الجديدة بالقاهرة، وهو ما عُرف لاحقًا بترام مصر الجديدة. كما شيد منازل على الطراز البلجيكي الكلاسيكي، وأنشأ مساحات خضراء وحدائق واسعة، بالإضافة إلى فندق هليوبوليس الكبير، الذي أصبح فيما بعد جزءًا من قصور الرئاسة المصرية.
تصميم قصر البارون
قرر البارون إمبان بناء قصر يعكس ذوقه المعماري المتميز، فجاء تصميمه فريدًا من نوعه. وقد روعي في تخطيطه أن تصل أشعة الشمس إلى جميع حجراته وردهاته على مدار اليوم، وهو ما أكسبه شهرة واسعة.
استوحى تصميم القصر من معبد أنكور وات في كمبوديا ومعابد أوريسا الهندوسية في الهند، وتولى تصميمه المعماري الفرنسي ألكساندر مارسيل، بينما قام الفنان جورج لويس كلود بتنفيذ الزخارف والنقوش. واكتمل بناء القصر عام 1911، ليصبح أحد أفخم القصور التاريخية في مصر.
وفاة البارون إمبان
توفي البارون إدوارد إمبان في 22 يوليو 1929 بمدينة وولويه في بلجيكا بعد صراع مع مرض السرطان، ونُقل جثمانه إلى مصر، حيث دُفن أسفل كنيسة البازيليك في حي مصر الجديدة، تنفيذًا لوصيته.
ترميم القصر وإعادة افتتاحه
شهد قصر البارون في السنوات الأخيرة أول عملية ترميم شاملة منذ إنشائه، حيث تضمنت أعمال التطوير ترميم المبنى الرئيسي والحدائق المحيطة، وإعادة تأهيل عربة ترام مصر الجديدة التاريخية المعروضة داخل الحديقة، بالإضافة إلى تطوير القاعات الداخلية والبدروم، الذي خُطط لتحويله إلى مدرسة للتربية المتحفية بهدف نشر الوعي الأثري بين الأطفال.
كما شملت أعمال التطوير إنشاء غرفة للتحكم الإلكتروني وتحديث أنظمة تأمين القصر، بما يواكب المعايير الحديثة في الحفاظ على المواقع الأثرية.
وقد بلغت تكلفة مشروع الترميم أكثر من 100 مليون جنيه مصري، ساهمت الحكومة البلجيكية بحوالي 15 مليون جنيه منها، بينما تكفلت الدولة المصرية بباقي التكلفة، ليعود القصر إلى مكانته كواحد من أهم المعالم التاريخية والسياحية في مصر.











