مصر على موعد مع أخطر موجات الصيف.. كيف تحمي نفسك من "الصهد الرطب" ؟
يدخل الطقس في مصر خلال هذه الأيام ذروة ما يعرف بـ"الصهد الرطب"، وهي واحدة من أكثر الظواهر المناخية إرهاقًا خلال فصل الصيف، حيث يجتمع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة مع زيادة كبيرة في نسب الرطوبة، مما يجعل الإحساس الفعلي بالحرارة أعلى بكثير من الدرجة المسجلة على أجهزة القياس.
ويطلق خبراء الأرصاد والمناخ مصطلح "الصهد الرطب" على الفترة التي يصبح فيها الهواء مشبعًا ببخار الماء بالتزامن مع موجات الحر، وهو ما يقلل من قدرة الجسم على التخلص من الحرارة عبر تبخر العرق، فيشعر الإنسان بحرارة خانقة، بينما تتعرض النباتات والمحاصيل الزراعية لضغوط حرارية ومائية كبيرة تؤثر على النمو والإنتاجية.
كيف يتشكل الصهد الرطب فوق مصر؟
يرتبط الصهد الرطب بعدة عوامل مناخية تتزامن في الوقت نفسه، أبرزها تشكل القبة الحرارية فوق شرق البحر المتوسط، وهي كتلة هوائية ساخنة تعمل على احتجاز الهواء بالقرب من سطح الأرض، فتمنع تشتت الحرارة إلى الطبقات العليا من الغلاف الجوي، وفي الوقت ذاته، يتعمق تأثير منخفض الهند الموسمي الذي يدفع برياح جنوبية وجنوبية شرقية محملة بالرطوبة القادمة من البحرين الأحمر والمتوسط، لتزداد نسب الرطوبة بشكل واضح، خاصة في محافظات الدلتا والوجه البحري والسواحل الشمالية، مع ظهور شبورة مائية خفيفة خلال ساعات الصباح الباكر، لا سيما على الطرق الزراعية.
لماذا تصبح حرارة يوليو أكثر خطورة من مايو ويونيو؟
لا ترتبط خطورة هذه الفترة بارتفاع درجات الحرارة فقط، وإنما أيضًا بالوضع الفلكي للشمس، إذ تكون أشعتها شبه عمودية على مدار السرطان، ما يسمح بوصول كمية أكبر من الأشعة قصيرة الموجة إلى سطح الأرض بكفاءة مرتفعة، ولهذا السبب، فإن تسجيل 40 درجة مئوية خلال شهر يوليو يعد أكثر خطورة من تسجيل الدرجة نفسها خلال شهري مايو أو يونيو، لأن الرطوبة المرتفعة تقلل قدرة الجسم على التبريد الطبيعي، بينما يزيد الإشعاع الشمسي من سخونة الأسطح والتربة والنباتات، وهو ما يرفع معدلات الإجهاد الحراري بصورة كبيرة.
التأثيرات الصحية للصهد الرطب على المواطنين
يشكل الصهد الرطب خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، خاصة كبار السن والأطفال وأصحاب الأمراض المزمنة والعاملين في الأماكن المفتوحة، إذ ترتفع احتمالات الإصابة بالإجهاد الحراري وضربات الشمس نتيجة صعوبة فقدان الجسم للحرارة، كما يؤدي ارتفاع الرطوبة إلى الشعور بالاختناق والإرهاق وزيادة فقدان السوائل والأملاح، وقد تتطور الحالة إلى هبوط في الدورة الدموية أو اضطرابات في ضربات القلب إذا لم يتم تعويض السوائل بصورة كافية أو التعرض للشمس لفترات طويلة.
وتنعكس موجات الصهد الرطب بصورة مباشرة على القطاع الزراعي، حيث ترتفع الاحتياجات المائية للمحاصيل بنسبة قد تصل إلى 15 أو 20% نتيجة زيادة معدلات البخر وفقدان الرطوبة من التربة، وهو ما يفرض على المزارعين إعادة تنظيم برامج الري بما يتناسب مع الظروف المناخية، كما تؤدي الحرارة المرتفعة إلى زيادة احتمالات إصابة الثمار بلسعة الشمس، وهي من المشكلات التي تؤثر على جودة المحاصيل وقيمتها التسويقية، إضافة إلى تعرض النباتات لإجهاد حراري يحد من كفاءة عمليات البناء الضوئي والنمو.
الرطوبة المرتفعة تفتح الباب أمام الأمراض والآفات
ولا تتوقف آثار الصهد الرطب عند ارتفاع الحرارة، بل تمتد إلى زيادة انتشار الأمراض النباتية، حيث تساعد الرطوبة الحرة التي تتكون خلال ساعات الصباح على نمو وانتشار العديد من الأمراض الفطرية والبكتيرية داخل الحقول، كذلك تتسارع دورات حياة كثير من الحشرات والآفات الزراعية، مما يؤدي إلى زيادة معدلات تكاثرها وانتشارها خلال فترة قصيرة، وهو ما يجعل الالتزام ببرامج المكافحة والرصد الدوري أمرًا ضروريًا للحفاظ على الإنتاج الزراعي.
كيف يحمي المواطن نفسه من الصهد الرطب؟
وينصح الخبراء باتباع مجموعة من الإجراءات الوقائية لتقليل التأثيرات الصحية للموجة الحارة، في مقدمتها الإكثار من شرب المياه على مدار اليوم، والحد من تناول المشروبات المحتوية على الكافيين، مع تقليل الأطعمة مرتفعة الملوحة التي تزيد من فقدان السوائل، كما يُفضل تناول الخضروات والفاكهة الغنية بالمياه، وارتداء الملابس القطنية الفاتحة ذات الألوان العاكسة لأشعة الشمس، واستخدام غطاء للرأس عند الخروج نهارًا، مع تجنب بذل مجهود بدني كبير خلال الفترة من الثانية عشرة ظهرًا وحتى الرابعة عصرًا، التي تمثل ذروة ارتفاع درجات الحرارة.
كما يحذر المتخصصون من ترك بعض المواد داخل السيارات المتوقفة تحت أشعة الشمس المباشرة، مثل زجاجات العطور والكحول، والبطاريات المتنقلة، والأجهزة الإلكترونية، والعبوات المضغوطة، بسبب احتمالية تعرضها للتلف أو الانفجار نتيجة الارتفاع الكبير في درجات الحرارة، ويُنصح بترك نافذة السيارة مفتوحة فتحة صغيرة عند توقفها في أماكن آمنة للمساعدة على تقليل تراكم الحرارة داخل المقصورة، مع الحرص على عدم ترك الأطفال أو الحيوانات الأليفة داخل السيارات تحت أي ظرف.
مبادرات بسيطة لمواجهة آثار الموجة الحارة
ولا تقتصر مواجهة الصهد الرطب على الإجراءات الفردية، بل تمتد إلى مبادرات مجتمعية بسيطة يمكن أن تخفف من آثار موجات الحر، مثل وضع أوعية مياه في الشرفات والأسطح والمزارع لتوفير المياه للطيور والحيوانات التي تعاني من نقص مصادر الشرب خلال ارتفاع درجات الحرارة، وهذه المبادرات تمثل جانبًا مهمًا من المسؤولية المجتمعية، خاصة مع تزايد موجات الحر الناتجة عن تغير المناخ، والتي أصبحت أكثر تكرارًا وحدة خلال السنوات الأخيرة.
هل أصبح الصهد الرطب ظاهرة متكررة؟
يشير خبراء المناخ إلى أن تكرار موجات الصهد الرطب في مصر والمنطقة يرتبط بالتغيرات المناخية العالمية، إذ أصبحت موجات الحرارة أكثر شدة وأطول زمنًا، مع ارتفاع واضح في معدلات الرطوبة خلال أشهر الصيف، ولذلك يؤكد المتخصصون أن التكيف مع هذه الظواهر لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة، سواء من خلال الإدارة الذكية للموارد المائية في القطاع الزراعي، أو الالتزام بالإرشادات الصحية والوقائية، بما يحد من الخسائر ويحافظ على صحة المواطنين واستدامة الإنتاج الزراعي.







