هل انتهت موجة صعود الدولار؟ مؤسسات عالمية كبرى تراهن على انحسار الزخم
رغم المكاسب القوية التي حققها الدولار الأمريكي خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت مؤسسات مالية عالمية كبرى في تبني رؤية أكثر حذرًا تجاه مستقبل العملة الأمريكية، معتبرة أن موجة الصعود ربما اقتربت من استنفاد معظم دوافعها، وأن الرهان على مزيد من الارتفاع لم يعد بالسهولة التي يتصورها السوق.
وتأتي هذه الرؤية في وقت لا تزال فيه مؤسسات بارزة في وول ستريت تراهن على استمرار قوة الدولار، مدفوعة بتوقعات بقاء السياسة النقدية الأمريكية في نطاق متشدد لفترة أطول، إلى جانب صمود الاقتصاد الأمريكي مقارنة بالاقتصادات المتقدمة الأخرى.
مكاسب قوية للدولار.. لكن الأسواق قد تكون بالغت في التسعير
حقق مؤشر بلومبرج الفوري للدولار مكاسب بنحو 2% خلال يونيو، ليسجل أفضل أداء شهري له منذ اندلاع الحرب الإيرانية، قبل أن يواصل الارتفاع مع بداية يوليو، مستفيدًا من تصاعد توقعات إبقاء الفائدة الأمريكية مرتفعة، وربما رفعها مجددًا.
وجاءت هذه التحركات عقب تصريحات رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وورش في 17 يونيو، التي شدد خلالها على تمسك البنك المركزي بإعادة التضخم إلى مستهدف 2%، وهو ما دفع المستثمرين إلى تعزيز رهاناتهم على الدولار ورفع المراكز الشرائية للمضاربين إلى أعلى مستوياتها منذ نحو عام ونصف.
لكن هذا الاندفاع نفسه بدأ يثير شكوك عدد من المؤسسات الدولية، التي ترى أن السوق قد يكون استبق الأحداث وسعّر بالفعل الجزء الأكبر من سيناريو التشدد النقدي الأمريكي.
كريدي أجريكول ومورجان ستانلي: الدولار يقترب من التشبع
يرى محللون في مؤسسات مثل كريدي أجريكول ومورجان ستانلي وتي دي سيكيوريتيز أن الدولار بات يتحرك عند مستويات مرتفعة مقارنة بقيمته العادلة، وأن مكاسب العملة الأمريكية قد تصبح أكثر هشاشة خلال الفترة المقبلة.
وقال فالنتين مارينوف، رئيس أبحاث واستراتيجيات عملات مجموعة العشرة في كريدي أغريكول، إن الدولار دخل مرحلة تشبع شرائي، وإن الأسواق ربما بالغت في تقدير مدى تشدد الاحتياطي الفيدرالي.
كما اعتبر ستيفن جين من شركة يوريزون إس إل جي كابيتال أن المستثمرين استنفدوا بالفعل الجزء الأكبر من فرص الربح الناتجة عن الرهان على صعود الدولار، محذرًا من أن العملة الأمريكية قد تواجه صعوبة في تكرار نفس وتيرة المكاسب خلال الشهور المقبلة.
بيانات الوظائف الأمريكية تضغط على توقعات الفائدة
تلقت الرؤية الحذرة تجاه الدولار دعمًا إضافيًا من تقرير الوظائف الأمريكي الصادر الخميس، والذي أظهر تباطؤًا واضحًا في نمو الوظائف خلال يونيو، ما دفع المستثمرين إلى تقليص رهاناتهم على رفع الفائدة الأمريكية خلال الأشهر المقبلة.
وأدى ذلك إلى ضغوط بيعية على الدولار عقب صدور البيانات، رغم استمرار الأسواق في تسعير احتمال رفع الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية بحلول سبتمبر، وإن بدرجة أقل يقينًا مقارنة بما كان قائمًا قبل صدور التقرير.
ويمثل هذا التحول تغيرًا مهمًا في مزاج السوق، خاصة أن التوقعات قبل اندلاع الحرب الإيرانية في أواخر فبراير كانت تميل إلى بدء دورة خفض للفائدة الأمريكية خلال 2026، قبل أن تقلب التوترات الجيوسياسية وارتفاع أسعار الطاقة هذه الحسابات رأسًا على عقب.
لماذا لا يزال كثيرون يراهنون على استمرار قوة الدولار؟
في المقابل، لا تزال بنوك ومؤسسات كبرى مثل جيه بي مورغان وبنك أوف أمريكا وغولدمان ساكس ترى أن العوامل الأساسية الداعمة للدولار لم تتغير بعد.
فارتفاع أسعار النفط عقب الحرب الإيرانية عزز الضغوط التضخمية، وهو ما دعم الرهانات على استمرار الفيدرالي في موقفه المتشدد، بالتوازي مع استمرار الاقتصاد الأمريكي في إظهار قدر كبير من المرونة، مقارنة بعدد من الاقتصادات الكبرى الأخرى.
كما يرى كومونولث بنك أوف أستراليا أن فروق أسعار الفائدة لا تزال تميل لصالح الدولار، وأن الاحتياطي الفيدرالي قد يرفع الفائدة بوتيرة أكبر مما تسعره الأسواق حاليًا.
الذكاء الاصطناعي وسوق الأسهم يضيفان دعمًا جديدًا للعملة الأمريكية
ولا يقتصر الدعم الذي يحظى به الدولار على السياسة النقدية فقط، إذ يشير محللون إلى أن الاستثمارات الضخمة في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي ساهمت في تعزيز أرباح الشركات الأمريكية، وجذبت المزيد من التدفقات الأجنبية إلى سوق الأسهم الأمريكية، ما وفر دعمًا إضافيًا للعملة الأمريكية.
لكن حتى هذا العامل، بحسب المؤسسات المتحفظة، قد يكون تم تسعيره بالفعل إلى حد كبير، بما يعني أن قدرته على إطلاق موجة صعود جديدة للدولار قد تكون محدودة، ما لم تظهر مفاجآت إضافية على مستوى النمو أو التضخم أو الفائدة.
هل يعود الدولار إلى المسار الهبوطي؟
يرى عدد من الاستراتيجيين أن الإجابة ستتوقف على مسارين رئيسيين: مسار الفائدة الأمريكية من جهة، وأداء الاقتصادات المنافسة من جهة أخرى.
فإذا بدأت البنوك المركزية الكبرى خارج الولايات المتحدة، وعلى رأسها البنك المركزي الأوروبي، في تقليص فجوة أسعار الفائدة مع الفيدرالي، بالتوازي مع استقرار النمو العالمي وتراجع علاوات المخاطر، فقد يفقد الدولار جزءًا من ميزته النسبية، ويعود تدريجيًا إلى مسار هبوطي خلال النصف الثاني من العام.
وفي هذا السياق، يرى محللو تي دي سيكيوريتيز أن استقرار الأوضاع العالمية، إلى جانب احتمال تثبيت الفائدة الأمريكية لفترة، قد يفتح الباب أمام استعادة العملات المنافسة بعض الزخم، وهو ما قد يحد من مكاسب الدولار أو يدفعه للتراجع لاحقًا.
خلاصة المشهد
المشهد الحالي لا يشير إلى انهيار وشيك في الدولار، لكنه يكشف بوضوح أن الإجماع على استمرار صعوده لم يعد بنفس القوة. فبينما لا تزال هناك عوامل تدعم العملة الأمريكية، بدأت مؤسسات دولية كبرى ترى أن الأسواق ربما ذهبت بعيدًا في تسعير سيناريو التشدد النقدي، وأن أي مفاجأة أقل حدة من الفيدرالي قد تكون كافية لكبح موجة الصعود الحالية.





