المغرب وجيل Z
فوضى في المغرب.. احتجاجات تخرج عن السيطرة وتثير القلق الإقليمي
شهدت عدة مدن في المغرب منذ أواخر سبتمبر وبداية أكتوبر 2025 موجة احتجاجات واسعة خرجت عن السيطرة، قادها آلاف الشباب في إطار ما يُعرف بحركة "GenZ 212".
ورفعت شعارات تطالب بتحسين الخدمات العامة، وعلى رأسها الصحة والتعليم، إلى جانب المطالبة بمحاربة الفساد وتحقيق العدالة الاجتماعية.
احتجاجات المغرب تخرج عن السيطرة وتثير القلق الإقليمي
أسفرت الاحتجاجات التي اجتاحت مدنًا مغربية عدة عن حصيلة ثقيلة، حيث تجاوز عدد المعتقلين 400 شخص في مختلف المناطق، فيما أصيب أكثر من 260 عنصرًا من قوات الأمن إلى جانب عشرات المدنيين.
كما لحقت أضرار جسيمة بالممتلكات، إذ تضررت نحو 142 مركبة تابعة للقوات الأمنية و20 سيارة خاصة.

وفي خضم هذه الأحداث الدامية، قُتل اثنان من المتظاهرين في مدينة لِقليعة خلال مواجهات مع قوات الأمن أثناء محاولتهم اقتحام مركز أمني، قبل أن يرتفع عدد القتلى لاحقًا إلى ثلاثة مع استمرار الاشتباكات في مناطق أخرى.
الشرارة التي أجّجت هذه التظاهرات كانت حادثة مأساوية في مدينة أغادير تمثلت في وفاة ثماني نساء حوامل داخل مستشفى عمومي نتيجة الإهمال الطبي وضعف التجهيزات، وهو ما فجّر حالة من الغضب الشعبي وأعاد إلى الواجهة النقاش حول انهيار المنظومة الصحية في البلاد.
المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن
المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن اتسعت بشكل لافت وأسفرت عن حصيلة ثقيلة، إذ تجاوز عدد المعتقلين الأربعمائة شخص في مختلف المدن، فيما أصيب أكثر من مئتين وستين عنصرًا من القوات الأمنية، بالإضافة إلى عشرات المدنيين.
كما تعرضت مئات السيارات العامة والخاصة للتخريب، بينها نحو مئة واثنتان وأربعون مركبة تابعة للشرطة وعشرون سيارة تعود لمواطنين.
وسُجلت أيضاً خسائر بشرية بعد مقتل اثنين من المتظاهرين في مدينة لِقليعة خلال محاولة اقتحام مركز أمني، ليرتفع العدد لاحقًا إلى ثلاثة قتلى مع تجدد الصدامات في مناطق أخرى.

الاحتجاجات لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة. فالمغاربة يعانون منذ سنوات من تردي الخدمات الأساسية، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، حيث تعاني المستشفيات من نقص الكوادر والتجهيزات، والمدارس من ضعف البنية والموارد.
كما يشعر كثيرون أن أولويات الحكومة في الإنفاق تميل إلى الاستثمار في مشاريع كبرى مثل استضافة البطولات الرياضية والبنية التحتية المرتبطة بكأس العالم 2030، بينما يتم إهمال القطاعات الاجتماعية التي تمس حياة المواطنين اليومية.
ومع تفاقم معدلات البطالة بين الشباب واتساع الفوارق بين المدن الكبرى والمناطق الريفية، ازداد الشعور بالتهميش والاحتقان.
تظاهرات شبابية وقلق دولي
ما ميّز هذه الموجة من الغضب أنها اتسمت بطابع شبابي مختلف، إذ لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا محوريًا في تنظيم الاحتجاجات والدعوة إليها.
عبر منصات مثل "تيك توك" و"إنستغرام" و"ديسكورد"، انتشرت الرسائل بسرعة وبطريقة غير مركزية، ما صعّب مهمة السلطات في احتواء التحركات أو السيطرة عليها.
ومع أن بعض التظاهرات بدأت سلمية، فإنها سرعان ما تحولت في مدن مثل لِقليعة وإنزكان وأوجدة إلى مواجهات مباشرة مع قوات الأمن، استُخدمت فيها الحجارة والزجاجات الحارقة والأسلحة البيضاء، في حين ردت القوات باستخدام القوة والاعتقالات المكثفة.

الحكومة المغربية من جانبها حاولت احتواء الموقف عبر الاعتراف بوجود مطالب مشروعة للمحتجين، وأعلنت استعدادها لدراسة إصلاحات في مجالي الصحة والتعليم.
لكنها لم تقدم حتى الآن على خطوات عملية واسعة أو قرارات كبرى يمكن أن تلبي طموحات الشارع الغاضب، مكتفية بإشارات إلى إمكانية فتح حوار وتهدئة الأوضاع.
هذا التردد في الاستجابة جعل المظاهرات تستمر وتتوسع، فيما تعالت الأصوات المطالبة بإجراءات فورية لإنقاذ القطاعات المتدهورة وضمان عدالة أكبر في توزيع الموارد الوطنية.
الأحداث الأخيرة تطرح أسئلة جدية حول مستقبل الوضع الداخلي في المغرب، حيث بات من الواضح أن الشباب يرفضون الصمت إزاء الأزمات المتفاقمة.
وإذا لم تقدم الحكومة على إصلاحات ملموسة وسريعة لتحسين الخدمات الصحية والتعليمية ومعالجة البطالة وتخفيف الفوارق الإقليمية، فإن موجات الاحتجاج مرشحة للتصاعد.
كما أن الاستمرار في إنفاق مليارات الدراهم على مشاريع استعراضية دون مراعاة الأولويات الاجتماعية سيؤجج المزيد من الغضب.
المشهد الحالي إذن يعكس مفترق طرق حقيقي: إما أن يتحول إلى فرصة لتصحيح المسار وإطلاق حوار وطني شامل يعيد الثقة بين الدولة والمجتمع، أو أن يفتح الباب على مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار الذي قد تكون له انعكاسات إقليمية ودولية.

