رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

تاريخ واحد وحكايتان.. كيف تحول يوم احتلال الجزائر إلى عيد للحرية

صورة تعبيرية
صورة تعبيرية

تحل اليوم ذكرى استثنائية في تاريخ الأمة العربية، إذ يجتمع في الخامس من يوليو حدثان متناقضان شكلا مسار الجزائر الحديث؛ فهو اليوم الذي دخلت فيه القوات الفرنسية الجزائر عام 1830 إيذانًا ببداية مرحلة طويلة من الاحتلال، وهو اليوم ذاته الذي استعادت فيه الجزائر استقلالها في عام 1962 بعد سنوات طويلة من النضال والكفاح، وتمثل هذه الذكرى محطة تاريخية مهمة في الذاكرة الجزائرية، لأنها ترتبط بواحدة من أطول تجارب الاستعمار الاستيطاني في المنطقة، والتي استمرت لأكثر من قرن، وشهدت خلالها البلاد أشكالاً مختلفة من المقاومة السياسية والعسكرية والشعبية.

بداية الأزمة

تعود جذور القصة إلى نهاية القرن الثامن عشر، حين شهدت فرنسا تغيرات سياسية كبيرة بعد اندلاع الثورة الفرنسية عام 1789، وما تبعها من اضطرابات داخلية وحصار فرضته قوى أوروبية مختلفة، وخلال تلك المرحلة، كانت فرنسا تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، الأمر الذي دفعها إلى البحث عن مصادر للدعم والمساندة، وتشير الوقائع التاريخية إلى أن الجزائر قدمت لفرنسا دعماً مالياً تمثل في قرض بلغت قيمته نحو 24 مليون فرنك فرنسي، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، وذلك في إطار العلاقات القائمة بين الجانبين، لكن هذه العلاقة شهدت تغيرات واسعة مع مرور السنوات، خاصة بعد انتهاء الثورة الفرنسية وعودة أسرة بوربون إلى الحكم، لتبدأ مرحلة جديدة من التوتر السياسي والاقتصادي بين الطرفين.

حادثة المروحة

مع تصاعد الخلافات بين الجزائر وفرنسا بشأن الديون المستحقة، ظهرت حادثة عرفت تاريخياً باسم "حادثة المروحة"، والتي وقعت بين الداي حسين، حاكم الجزائر آنذاك، والقنصل الفرنسي خلال إحدى المناقشات المتعلقة بالمطالبات المالية، وتذكر الروايات أن الداي حسين قام بضرب القنصل الفرنسي بمروحة كانت في يده أثناء النقاش، وهو ما اعتبرته فرنسا إهانة سياسية.

واستخدمت الحكومة الفرنسية الواقعة باعتبارها مبرراً للتحرك العسكري ضد الجزائر، لتبدأ بعد ذلك الاستعدادات لحملة عسكرية انتهت بإنزال القوات الفرنسية على الأراضي الجزائرية، ثم دخولها العاصمة الجزائر في الخامس من يوليو عام 1830، لتبدأ بذلك مرحلة الاحتلال الفرنسي.

قائد المقاومة أحمد باى

لم يتوقف الجزائريون أمام الاحتلال، وسرعان ما بدأت موجات المقاومة في مناطق مختلفة من البلاد، وكان أحمد باي من أوائل القادة الذين تصدوا للقوات الفرنسية، ولد في مدينة قسنطينة عام 1786، وتولى حكم قسنطينة والشرق الجزائري عام 1826، ليصبح لاحقاً أحد أبرز قادة المقاومة في مواجهة التوسع الفرنسي.

وخلال سنوات الاحتلال الأولى، تمكن أحمد باي من الحفاظ على أجزاء واسعة من الشرق الجزائري، واستمر في تنظيم المواجهات العسكرية ضد القوات الفرنسية ومنع تمددها، وبعد سقوط مدينة قسنطينة عام 1837، لم تتوقف مقاومته، إذ واصل القتال في مناطق الجبال والصحارى، وظل يتحرك بين عدة مناطق إلى أن تعرض لحصار شديد انتهى باستسلامه عام 1848، ثم فرضت عليه الإقامة الجبرية حتى وفاته عام 1850.

رموز المقاومة الجزائرية الأمير عبد القادر

ومع استمرار المواجهات، ظهر الأمير عبد القادر الجزائري باعتباره واحداً من أبرز رموز النضال الجزائري خلال القرن التاسع عشر، ولد الأمير عبد القادر عام 1808 في ولاية معسكر، وبدأ قيادة المقاومة المسلحة عام 1832، واستطاع خلال فترة قصيرة أن يوسع نفوذه في مناطق عديدة من الجزائر.

الأمير عبد القادر تمكن من تحرير مساحات واسعة من البلاد، وخاض عدداً كبيراً من المعارك ضد القوات الفرنسية، من بينها معارك المقطع، وبودواو، ومتيجة، ووادي العلايق، ودلس، وتيزي وزو، وغيرها من المواجهات العسكرية التي شكلت جزءاً مهماً من تاريخ المقاومة الجزائرية، واستمرت مقاومته لسنوات عديدة قبل أن يتعرض لحصار واسع أجبره على الاستسلام عام 1847، ثم انتقل بعد ذلك إلى دمشق حيث عاش هناك حتى وفاته عام 1883.

مصالى الحاج وبداية التحرك السياسى

ومع تطور الأحداث، لم يقتصر النضال الجزائري على المواجهات المسلحة فقط، بل امتد إلى العمل السياسي والتنظيمي، وكان مصالي الحاج من أبرز الشخصيات التي لعبت دوراً في تشكيل الوعي الوطني الجزائري خلال القرن العشرين.

ولد مصالي الحاج في مدينة تلمسان عام 1898، وبدأ نشاطه السياسي خلال عشرينيات القرن الماضي، حيث تواصل مع الحركات النقابية والتنظيمات السياسية المختلفة، قبل أن يؤسس حزب نجم شمال أفريقيا الذي تحول لاحقاً إلى حزب الشعب الجزائري، والذي لعب دوراً مهماً في دعم الحركة الوطنية الجزائرية.

الثورة الجزائرية

شكلت التحركات السياسية والمقاومة الشعبية والعسكرية أرضية لانطلاق الثورة الجزائرية التي أصبحت واحدة من أبرز حركات التحرر في القرن العشرين، وخلال سنوات الثورة، شهدت الجزائر مواجهات وصدامات استمرت لفترات طويلة، قبل أن تصل البلاد في النهاية إلى مرحلة الاستقلال.

وفي الخامس من يوليو عام 1962، استعادت الجزائر سيادتها الوطنية، ليصبح التاريخ نفسه شاهداً على بداية الاحتلال ونهايته، في حدث ظل حاضراً في الذاكرة الوطنية الجزائرية باعتباره يوماً يحمل دلالات تاريخية متعددة.

وخلال تلك المسيرة الطويلة، قدم الشعب الجزائري تضحيات كبيرة في سبيل استعادة استقلاله وإنهاء الوجود الاستعماري، لتصبح ذكرى الخامس من يوليو محطة مرتبطة بتاريخ طويل من النضال الوطني.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء