"أوراق العشب" لوالت ويتمان يغير مسار الشعر الأمريكي
في مثل هذا اليوم، صدرت الطبعة الأولى من ديوان "أوراق العشب" للشاعر الأمريكي والت ويتمان، وهو العمل الذي يعد أحد أبرز وأهم الأعمال الأدبية في تاريخ الشعر الأمريكي الحديث، وقد قام ويتمان بنشر الديوان على نفقته الخاصة عام 1855، وضم في نسخته الأولى اثنتي عشرة قصيدة فقط، لكنه تحول مع مرور الوقت إلى عمل أدبي استثنائي ترك أثرًا واسعًا في تطور الشعر والأدب داخل الولايات المتحدة وخارجها.
النشأة والبدايات
ولد والت ويتمان في منطقة ويست هيلز بجزيرة لونغ آيلاند الأمريكية، ونشأ في بروكلين داخل أسرة بسيطة، وغادر المدرسة في سن الرابعة عشرة من عمره، ليبدأ رحلة طويلة من العمل والكفاح، عمل في البداية طابعًا متنقلًا، ثم تنقل بين عدد من المهن المختلفة مثل التدريس والصحافة والتحرير والنجارة، وكان يسعى من خلال تلك الأعمال إلى تأمين مصدر دخل يتيح له الاستمرار في شغفه الحقيقي وهو الكتابة.
وخلال تلك الفترة، بدأ ويتمان في تكوين رؤيته الفكرية والأدبية الخاصة، حيث تأثر بالحياة اليومية للناس وبالتحولات الاجتماعية والسياسية التي كانت تشهدها الولايات المتحدة، وهو ما انعكس لاحقًا في أعماله الشعرية.
"أوراق العشب" ديوان تطور مع صاحبه
عندما نشر ويتمان الطبعة الأولى من "أوراق العشب"، لم يضع اسمه على غلاف الكتاب، واكتفى بوضع صورة شخصية له، في خطوة غير معتادة آنذاك. ولم يتعامل مع الديوان باعتباره عملًا انتهى بمجرد صدوره، بل ظل طوال حياته يعيد تنقيحه وتعديله وإضافة قصائد جديدة إليه، وأصبحت "أوراق العشب" بمثابة مشروعه الأدبي الأكبر الذي نما وتطور معه عبر السنوات، إذ كانت كل طبعة جديدة تحمل إضافات وتغييرات تعكس مراحل مختلفة من حياته وأفكاره وتجاربه.
طبعات جديدة وقصائد خالدة
شهدت الطبعة الثانية من الديوان، التي صدرت عام 1856، إضافة عدد من القصائد الجديدة المهمة، من بينها قصيدة "قصيدة الغروب"، التي أصبحت تعرف فيما بعد باسم "عبور عبارة بروكلين"، والتي تعد واحدة من أشهر وأبرز أعمال ويتمان الشعرية، وقد حظيت تلك القصائد باهتمام كبير لاحقًا، لما حملته من أسلوب شعري مختلف اعتمد على التحرر من القوالب التقليدية، وركز على الإنسان والحياة اليومية والطبيعة والمشاعر الإنسانية.
حياة اجتماعية وتجارب إنسانية
عرف ويتمان بحبه للتجول والتنقل المستمر، إذ كان يقضي ساعات طويلة في رحلات العبارات والعربات العامة، مستغلًا تلك الرحلات في الحديث مع الناس والاستماع إلى قصصهم وتجاربهم المختلفة، كما كان شغوفًا بالمشي لمسافات طويلة وحضور الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية في مانهاتن، وهي التجارب التي أثرت بشكل مباشر على أسلوبه الأدبي وشكلت جانبًا مهمًا من رؤيته الإنسانية.
خلال الحرب الأهلية الأمريكية
في عام 1862 تعرض شقيق ويتمان للإصابة خلال معركة فريدريكسبيرغ أثناء الحرب الأهلية الأمريكية، ما دفعه إلى التوجه لرعايته ومساندته، وبعد تلك الواقعة، أمضى ويتمان بقية سنوات الحرب في تقديم المساعدة والرعاية والدعم النفسي للجنود المصابين من قوات الاتحاد والكونفدرالية على حد سواء، وهي تجربة تركت أثرًا عميقًا في شخصيته وكتاباته.
السنوات الأخيرة وإرث أدبي باقٍ
بعد انتهاء الحرب، عمل ويتمان في عدد من المؤسسات والدوائر الحكومية حتى عام 1873، حين تعرض لجلطة دماغية أثرت على حالته الصحية، لينتقل بعدها إلى الإقامة في مدينة كامدن بولاية نيوجيرسي.
ورغم ظروفه الصحية، واصل العمل على مراجعة وإصدار طبعات جديدة من ديوان "أوراق العشب"، واستمر في تطويره حتى السنوات الأخيرة من حياته، قبل أن يرحل عام 1892، تاركًا وراءه إرثًا أدبيًا يعد من أهم إسهامات الشعر الأمريكي الحديث وأكثرها تأثيرًا في الأجيال اللاحقة.