من غاسل صحون إلى خبير سياحي عالمي.. إصدار جديد يروي قصة نجاح عنان الجلالي
احتفى نخبة من الشخصيات العامة والمفكرين والإعلاميين بصدور كتاب "قصة كفاح ونجاح عنان الجلالي"، للكاتب الدكتور محمد ثروت، والذي وثق فيه سيرة الخبير السياحي المصري العالمي الراحل عنان الجلالي، مؤسس مجموعة هيلنان العالمية لإدارة الفنادق.
حضر الاحتفال عدد من الشخصيات العامة، ومنهم ابن شقيقته تامر الحسامي رئيس مجلس ادارة هلنان لإدارة الفنادق العالمية في مصر والخارج، وحسام حسن العضو المنتدب ومنال صبحي مديرة مكتب الراحل الكبير، وجمعت الاحتفالية أصدقاء ومقربين من الراحل، ليقدموا شهادات حية عن مسيرته، والتي ناضل فيها حتى أصبح واحدًا من أبرز رواد صناعة الضيافة في أوروبا والعالم.
سيرة ومسيرة
استهلت الحفل الدكتورة شروق شعبان، بكلمة أشارت خلالها إلى أن الكتاب جاء "شهادة وفاء وتوثيقاً" لمسيرة رجل لم يترك لصديقه أن يغيب عن الذاكرة، مضيفاً أن الجلالي كان يعتز بلقب "أشهر غاسل صحون"، قائلاً: "أنا لم أبدأ من الصفر، بل بدأت قبل الصفر".
وروى الدكتور محمد ثروت صديق عنان الجلالي الأقرب تفاصيل رحلته الاستثنائية، حين غادر مصر ومعه 10 جنيهات إسترلينية فقط، وركب البحر إلى فينيسيا، ثم النمسا، ومنها إلى كوبنهاجن، حيث عمل في كل المهن: بائعاً للصحف، وغاسل أطباق، وكان يبيت في الملاجئ، بل كان يعمل أحياناً مقابل وجبة طعام فقط.
ولم يرضَ بالانكسار، فشق طريقه بعزيمة لا تلين، حتى أصبح مؤسس مجموعة هلنان العالمية، وحاملاً لوسام فارس من الدنمارك، وصوتاً عربياً مسموعاً في أروقة القصور الملكية، بعلاقات وثيقة مع العائلة المالكة في الدنمارك.
ومن أشهر أقواله التي ترددت خلال الأمسية: "أنا أقبل كل يد تعمل"، و"أنا مصري عندما أكون في مصر، ودنماركي عندما أكون في الدنمارك"، مما يعكس فلسفته في الاندماج دون فقدان الهوية.
صورة الجنود المصريين في الصحف النمساوية
ويرى الحاضرون أن اللافت في سيرة الجلالي، أنه رغم نجاحه في أوروبا، ظل وطنياً مخلصاً لمصر، لدرجة أنه ترك بيع الصحف في الدنمارك عندما رأى صورة الجنود المصريين في الصحف النمساوية عقب هزيمة 1967، وأصر على مغادرة البلاد بالكامل.
لفت حسام حسن، العضو المنتدب لمجموعة هيلنا العالمية، الذي عايش الجلالي، إلى أنه عمل معه منذ 1994، وكان يتعامل مع كبار الصحافة ورؤساء الجامعات في اليابان والصين والنمسا، وفي الوقت نفسه كان يتعامل مع موظفيه في الشركة بذات الاحترام، وكان الجميع يحبونه، وهذا التكريم كان سيكون أسعد لحظاته".
من جانبه، تحدث الدكتور حسن حماد، عميد كلية الآداب بجامعة الزقازيق الأسبق، عن الأبعاد الفلسفية في سيرة الجلالي، مشيراً إلى أنه "رجل قهر الفشل، لأنه لم يستسلم للواقع، وكان يرفض الاستسلام للقدر"، مضيفًا أن هذا الرجل يذكره بتجارب عظماء عاشوا المعاناة، مثل ستانيسلافسكي ونيتشه، فالمعاناة ليست نهاية الطريق، بل دافعاً قوياً لشخصيات ترفض الاستسلام، وتريد أن تشكل الحياة وتزرع في العالم".
صناعة البشر
وأكد الدكتور حسن حماد أن تجربة الراحل عنان الجلالي تمثل نموذجًا لصناعة الإنسان القادر على تجاوز التحديات، متوقفًا عند مفهوم "صناعة البشر"، حيث أوضح أن الفارق الحقيقي بين الإنسان العربي والغربي لا يكمن في الحضارة وحدها، وإنما في الإيمان بالذات والثقة بالقدرات. وأضاف أن الجلالي لم ينغلق على نفسه، بل انفتح على الحضارات الأخرى، درسها وتفاعل معها، مؤكدًا أن هذا النهج هو السبيل الحقيقي لتحقيق النهضة.
وفي السياق ذاته، قدم الأستاذ الدكتور عبد الله شلبي، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، قراءة اجتماعية لمسيرة الراحل، مستلهمًا أفكاره من الأدب الروسي، ومستشهدًا بمقولة الأب الروحي في رواية "الأخوة الأعداء" لدوستويفسكي: "لقد خلقتكم أحرارًا".
الأخلاق البروتستانتية
وقال شلبي إن عنان الجلالي كان نموذجًا للإنسان الذي صنع مصيره بإرادته، بعدما واجه التنمر والإخفاق في بداياته داخل وطنه، لكنه لم يستسلم لليأس، بل انطلق إلى أوروبا ليبدأ رحلة كفاح طويلة أثمرت نجاحًا عالميًا في قطاع السياحة والفنادق.
وأضاف أن مسيرة الجلالي جسدت عمليًا القيم التي تناولها عالم الاجتماع ماكس فيبر في كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، وفي مقدمتها الجدية، والانضباط، وحب العمل، والرؤية العقلانية، والتقشف، والادخار، وهي المبادئ التي أسهمت في بناء شخصيته وتحقيق نجاحه.
وفي ختام الأمسية، وجّه الدكتور محمد ثروت، مؤلف الكتاب، الشكر إلى الحضور، مؤكدًا أن النجاح الحقيقي للراحل لم يُقاس بحجم ثروته، بل بما تركه من أثر إنساني عميق في نفوس من عرفوه، وبقدرته على بناء جسور للتواصل بين الشرق والغرب بروح من التواضع والاحترام.
واختُتمت الفعالية بدعاء الشيخ أسامة إبراهيم للراحل عنان الجلالي، سائلًا الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن تبقى ذكراه حاضرة في الوجدان، وأن تتواصل مثل هذه اللقاءات وفاءً لمسيرة رجل ترك بصمة باقية في عالم السياحة والعمل الإنساني.









