نجاح محمدعلي عن كلمة المرشد: تحذير من الإفراط بالثقة أو التفريط بالقوة|خاص
أكد الكاتب والمحلل العراقي الكبير والمتخصص في الشأن الإيراني نجاح محمد علي في تصريحات خاصة لـ "إيجبتك" أن تصريحات المرشد الإيراني أمس تأتي ترسيخا لمبدأ التشاور وسياسة تغليب المصلحة في الواقع الإيراني، حيث أنه في قراءة سياسية في كلمة المرشد الإيراني بشأن مذكرة التفاهم الإيرانية – الأمريكية نجد أن كلمة مجتبي خامنئي والتي نشرها التلفزيون الإيراني أمس وخاطب فيها الرئيس والقيادات وواشنطن والشعب الإيراني أيضا، قد أثارت الكثير من النقاشات والتفسيرات، ولا سيما في ظل الأجواء الحساسة التي أحاطت بمذكرة التفاهم الإيرانية – الأمريكية وما سبقها من مواجهة عسكرية وسياسية معقدة.
الولايات المتحدة ليست شريكا

وقد ذهب بعض المراقبين إلى اعتبار الكلمة دليلاً على وجود تحفظات جدية داخل مراكز القرار الإيرانية تجاه المذكرة، فيما رأى آخرون أنها تمثل دعماً كاملاً للمسار الذي انتهجته الحكومة. غير أن القراءة المتأنية للنص وسياقه السياسي تشير إلى أن الكلمة تقع في منطقة وسطى بين هذين التفسيرين.
نجاح محمد علي والحائزعلى الوسام الذهبي من الدرجة الأولى من الكونجرس الفرنسي عن مجمل أعماله الصحفية، يؤكد أنه منذ انتصار الثورة الإسلامية، لم يكن موقف القيادة الإيرانية قائماً على رفض التفاوض بوصفه مبدأً، كما لم يكن قائماً على الثقة بالولايات المتحدة بوصفها شريكاً يمكن الركون إليه.
بل إن التجربة الإيرانية الطويلة مع واشنطن، من الاتفاق النووي إلى العقوبات وصولاً إلى المواجهات الأخيرة، أنتجت قناعة راسخة داخل المؤسسة الحاكمة مفادها أن التفاوض يمكن أن يكون أداة من أدوات إدارة الصراع، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن عناصر القوة الوطنية.
تحويل التفاهم لمبدأ مستدام
ويضيف "علي" من هذا المنطلق يمكن فهم تركيز سماحة القائد على ضرورة الانتباه إلى التفاصيل وعدم التفريط بالمنجزات التي تحققت، فالكلمة لا تبدو كأنها تناقش مبدأ التفاهم بحد ذاته، بل تناقش كيفية تحويل هذا التفاهم إلى مكسب حقيقي ومستدام.
وفي الفكر السياسي للجمهورية الإسلامية، غالباً ما تكون التفاصيل أهم من العناوين الكبرى؛ إذ إن التجارب السابقة أظهرت أن الاتفاقات قد تحمل في ظاهرها مكاسب كبيرة، لكنها قد تتضمن في تفاصيلها ثغرات تسمح للطرف الآخر بالالتفاف عليها أو التنصل من التزاماته لاحقاً.
ولهذا السبب، فإن التحذير من خسارة ما تحقق خلال المواجهة الأخيرة لا يمكن قراءته بوصفه رفضاً للمذكرة، وإنما باعتباره تأكيداً على أن أي إنجاز ميداني أو سياسي يجب أن يتحول إلى رصيد استراتيجي دائم.
وعن نتائج الحرب الإيرانية الأمريكية يؤكد الكاتب العراقي أن الحروب والصراعات لا تُقاس فقط بنتائجها العسكرية المباشرة، بل بقدرة الأطراف على استثمار نتائجها في مرحلة ما بعد المواجهة. ومن هنا تبدو الرسالة وكأنها تقول إن قيمة المفاوضات لا تكمن في وقف التوتر أو تحقيق تهدئة مؤقتة، وإنما في ترجمة عناصر القوة التي فرضتها إيران إلى التزامات عملية لا يستطيع الطرف الآخر التنصل منها بسهولة.
سنوات العقوبات والمواجهات
وعن السنوات التي قضتها إيران في عقوبات وضغوطات يؤكد نجاح محمد علي: أنه في المقابل، فإن الكلمة تكشف أيضاً عن إدراك القيادة لحجم الضغوط التي تواجهها الدولة الإيرانية بعد سنوات طويلة من العقوبات والمواجهات، فهناك متطلبات اقتصادية ومعيشية لا يمكن تجاهلها، كما أن إدارة الدولة الحديثة تفرض البحث عن حلول سياسية ودبلوماسية إلى جانب أدوات الردع والقوة.
ويضيف: لذلك لم يظهر في الخطاب أي رفض لإعطاء الحكومة فرصة لاختبار المسار الدبلوماسي، بل بدا وكأن القيادة تمنح المؤسسات التنفيذية مساحة للتحرك ضمن إطار محدد وواضح، مع إبقاء الرقابة السياسية والاستراتيجية قائمة.
ويؤكد: من هنا يمكن فهم طبيعة العلاقة بين القيادة والحكومة في هذه المرحلة. فالبعض يصور الأمر وكأن الحكومة دفعت نحو الاتفاق فيما كانت القيادة تعارضه، لكن هذا التصوير يتجاهل طبيعة النظام السياسي الإيراني وآلية اتخاذ القرار فيه. فالملفات الكبرى، وخاصة تلك المرتبطة بالأمن القومي والعلاقات مع الولايات المتحدة، لا تُدار من قبل جهة واحدة.
إطار دستوري ومؤسساتي
ويضيف الخبير في الشأن الإيراني: بأن الموافقة لم تاأتي مرة واحدة بل تمر عبر سلسلة من المؤسسات السياسية والأمنية والاستشارية، وبالتالي فإن السماح بالمضي في مذكرة التفاهم يعني أن القرار النهائي اتخذ ضمن الإطار الدستوري والمؤسساتي المعتمد، حتى لو كانت هناك اختلافات في التقديرات أو وجهات النظر بشأن بعض التفاصيل.
ويؤكد أنه كما أن من المهم ملاحظة أن الكلمة لم تركز على الجانب الأمريكي بقدر ما ركزت على المسؤولية الإيرانية في إدارة المرحلة المقبلة، وهذا يحمل دلالة سياسية مهمة؛ إذ إن الخطاب لم يُبنَ على التفاؤل بنوايا واشنطن، بل على ضرورة أن تحسن إيران إدارة ما حققته من موقع القوة.
بمعنى آخر، فإن الرهان في نظر القيادة لا ينبغي أن يكون على تغير السلوك الأمريكي، بل على قدرة إيران على حماية مصالحها مهما كانت طبيعة سلوك الطرف الآخر.
المصالح الوطنية غاية
ويؤكد نجاح محمد على في قرائته لكلمة المرشد الإيراني: أنه إذا وضعنا الكلمة في سياقها الأوسع، فإنها تبدو امتداداً لنهج ثابت تبنته القيادة الإيرانية خلال العقود الماضية، وهو الجمع بين المرونة التكتيكية والثبات الاستراتيجي. فالجمهورية الإسلامية قبلت في مراحل مختلفة بالمفاوضات والتفاهمات والاتفاقات، لكنها كانت تحاول دائماً الفصل بين الأدوات والغايات فالتفاوض أداة، أما الحفاظ على الاستقلال السياسي والقدرة الردعية والمصالح الوطنية فهو الغاية الأساسية التي لا يجوز التنازل عنها.
لذلك فإن الرسالة الأهم في كلمة سماحة القائد لا تتمثل في تأييد المذكرة أو الاعتراض عليها بقدر ما تتمثل في رسم معايير الحكم عليها. فنجاحها لن يُقاس بعدد البنود التي وُقعت، ولا بحجم الاحتفاء السياسي والإعلامي بها، بل بقدرتها على تحقيق نتائج ملموسة ومستدامة لإيران، وبمدى صمودها أمام الاختبارات العملية في المستقبل.
أما إذا بقيت مجرد وعود أو ترتيبات مؤقتة قابلة للانهيار عند أول تغير سياسي في واشنطن، فإنها لن تكون قد حققت الهدف الذي سعت إليه.
رسالة مزدوجة
وعليه، يمكن القول إن الكلمة حملت رسالة مزدوجة: دعم مشروط للمسار الدبلوماسي من جهة، وتحذير واضح من الإفراط في الثقة أو التفريط بعناصر القوة من جهة أخرى. وهي بذلك تعكس رؤية تعتبر أن الدبلوماسية قد تكون طريقاً إلى المكاسب عندما تستند إلى القوة، لكنها تتحول إلى مصدر للخسارة عندما تُبنى على حسن الظن بالخصوم أو على الرهان على تعهدات غير مضمونة.