واشنطن في مأزق متكرر: هل يكشف الإغلاق الحكومي هشاشة القوة الأمريكية؟
مرة أخرى، يطل شبح الإغلاق الحكومي على الولايات المتحدة الأمريكية وسط سجالات سياسية بين الديمقراطيين والجمهوريين في الكونجرس الأمريكي حالت دون الوصول لاتفاق يجنب واشنطن هذا الإغلاق الذي أصبح أمرًا مكررًا على مدار السنوات الأخيرة بسبب تعطل اعتماد الموازنة عند بداية السنة المالية الجديدة في الولايات المتحدة، والتي تبدأ في أكتوبر من كل عام، إلا أن تبعات هذا الإغلاق والسجالات المرتبطة به سنويا تبعث رسائل محملة بالقلق بشأن قوة الولايات المتحدة وقدرتها.
ويعني الإغلاق الحكومي توقف الحكومة الفيدرالية الأمريكية، التي يعمل بها نحو 2.1 مليون موظف، عن العمل بسبب فشل الكونجرس في تمرير قوانين الإنفاق الجديدة، ويؤدي هذا الإغلاق إلى تعطيل عمل وكالات فيدرالية أمريكية، فيما تستمر الوكالات الحيوية مثل وزارة الدفاع، والأمن، في العمل وإن كانت بعض الوكالات المنضوية تحتها تتأثر بفعل هذا الإغلاق، وكذلك تتأثر وزارات الخزانة، والخارجية، والعدل جزئيًا بفعل الإغلاق فيما يعمل بنك الاحتياطي الفيدرالي وهيئات كحماية المستهلك في ظل الإغلاق لأنها لا تعتمد على تمويل سنوي من الكونجرس.

وبموجب هذا الإغلاق فإن 4 من كل 10 من موظفي الحكومة الفيدرالية يحصلون على إجازات إجبارية أو يعملون بدون مقابل، ولا يتم دفع رواتبهم إلا بعد عودة الحكومة للعمل مرة أخرى. وحدث أول إغلاق حكومي في عهد إدارة الرئيس رونالد ريجان، عام 1981، بعد أن رفض مشروع تمويل الحكومة الفيدرالية واستمر هذا الإغلاق بضعة أيام، وتكرر الأمر نحو 13 مرة تالية خلال الفترة من 1981 وحتى الآن، كان آخرها وأطولها ما حدث في الفترة الأولى لحكم الرئيس الحالي دونالد ترامب حين أغلقت الحكومة لمدة 35 يوم لتتجاوز بذلك مدة الإغلاق التي حدثت في عهد الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في 1995، واستمرت 21 يومًا.
شأن داخلي وتبعات خارجية
ويعكس الإغلاق الحكومي حالة الاستقطاب الهيكلية بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو أمر متكرر على مدار عقود، لكن تأزم الوضع الداخلي، في الوقت الحالي تحديدًا، والذي يرفع فيه الرئيس دونالد ترامب شعار MAGA أي جعل أمريكا عظيمة مجددًا له دلالات سياسية تفوق كونه خلافًا بين البيت الأبيض والكونغرس.
فمن منظور منافسي أو خصوم الولايات المتحدة وفي مقدمتهم الصين ثم روسيا فإن هذا الخلافات بين البيت الأبيض والكونجرس تعكس تراجع كفاءة النظام السياسي الأمريكي، وتعطي صورة سلبية عن رئيس الولايات المتحدة الذي تأسره الخلافات الداخلية.
ويمكن لقوة كبيرة كالصين أن تستغل مثل هذه الأحداث، بما في ذلك الخلافات حول الموازنة وأولويات الإنفاق الحكومي، في حرب السرديات ضد الولايات المتحدة في الدول النامية، إذ يتيح لها هذه الأزمات المتكررة على مدار السنوات الأخيرة أن النموذج الأمريكي فشل والبديل هو النموذج الصيني وسيروج النموذج الأخير باعتباره الاستقرار في مقابل النموذج الأمريكي الذي يمثل عدم الاستقرار أو الفوضى.
وفي حلبة التنافس الجيوسياسي فإن ترويج مثل هذه الروايات يهز صورة الخصم، وهو هنا الولايات المتحدة، ويظهرها بأنها غير قادرة على الاحتفاظ بمرونتها والتعاطي مع التطورات مما يعني أن كفاءتها المؤسسية تراجعت ولم تعد هذه القوة العالمية القادرة على اتخاذ القرارات السريعة في المواقف الطارئة، وهذا يعني أن الإغلاق الحكومي له أثر سياسي رمزي على صورة الولايات المتحدة الأمريكية داخليا في المقام الأول ولدى حلفائها ثانيا. في حين لن يكون لهذا الإغلاق أثر لحظي مباشر على تنافس واشنطن مع خصومها في بكين أو موسكو أو غيرهم، فالإغلاق الحكومي يبقى الوكالات الأمنية والاستخباراتية ووزارة الدفاع تعمل بصورة طبيعية ولا تتأثر إلا بقدر طفيف جراء هذا الإغلاق.
إغلاق في توقيت حرج
على صعيد متصل، يأتي الإغلاق هذه المرة في ظل وضع اقتصادي شائك تتراجع فيه قيمة الدولار الأمريكي وترتفع فيه قيمة الذهب بصورة مطردة بما يوحي أن حالة عدم اليقين بشأن السياسات المالية الأمريكية تتزايد، ومعها المخاوف من قرارات الرئيس دونالد ترامب الذي هدد، على وسائل التواصل الاجتماعي، بإقالة رئيس البنك الفيدرالي الأمريكي جيروم بأول وكل هذه التطورات لا تشي بأن الأمور تسير على ما يرام داخل الولايات المتحدة.
ولا ينبغي نسيان أن الولايات المتحدة اكتسبت مكانتها الريادية في العالم لأسباب منها قوتها الاقتصادية الكبيرة حين تراجعت قوى الاستعمار الأوروبي التقليدية خلال سنوات الحرب العالمية الأولى وما أعقبها من الكساد الكبير ثم في الحرب العالمية الثانية، واستطاعت أن تحوذ، في تلك السنوات، أكبر احتياطي للذهب في العالم، بلغت قيمته نحو تريليون دولار في الارتفاع الأخير لأسعار الذهب.
وبفعل هذا الاحتياطي الكبير الذي كان غطاءً للعملة الأمريكية "الدولار"، ووجود قاعدة صناعية ضخمة وقوة عسكرية كبيرة واحترافية استطاعت الولايات المتحدة أن تتبوأ مقعد قيادي في رأس هرم النظام العالمي الذي تشكل بعد الحرب العالمية الثانية، لكن مع تكرر الأزمات حول السياسات المالية والإنفاق وما تفرزه من إغلاق حكومي وغيره فإن هناك شكوك حقيقية حول قيمة الدولار الأمريكي التي تتراجع منذ وصول "ترامب للسلطة" وحول الاحتياطي الأمريكي من الذهب الذي يعتبر ضامنًا للعملة الوطنية حتى أن بعض المحللين ادعوا بأن واشنطن أنفقت احتياطي الذهب على تمويل مشاريع عسكرية سرية أو باعته سرًا لحكومات أخرى.
وسبق أن وعد دونالد ترامب بأنه سيصحب الملياردير الأمريكي إيلون ماسك في زيارة لمستودع "فورت نوكس" بولاية كنتاكي الأمريكية للاطلاع على احتياطي الذهب والتأكد من وجوده، وهي زيارة لم تتم على أية حال، وهذا يعزز الشكوك حول القوة الاقتصادية الأمريكية ويمنح خصوم واشنطن فرصة لترويج فرضيات تآكل أو تبدد احتياطي الذهب الأمريكي وبالتالي انكشاف غطاء العملة الأمريكية وهذا سيعني التحول تدريجيا نحو عملات أخرى، وهو ما شرعت فيه بالفعل دول من أعضاء تجمع البريكس، ولهذا تأثير كبير على واشنطن لأنه يسحب البساط تدريجيًا من النظام المالي العالمي المعتمد على الدولار الأمريكي بشكل أساسي.
وفي حين تمضي هذه التطورات سريعًا يومًا بعد آخر في ظل نظام عالمي يتسم بالديناميكية والتنافس، يبقى المؤكد أن السياسات الداخلية للولايات المتحدة ولا سيما السياسة الاقتصادية والنقدية ستؤدي لارتدادات في النظام المالي العالمي وقد تؤدي إلى إعادة النظر في النموذج الأمريكي بصورة أسرع مما يتوقع الجميع بما في ذلك خصوم واشنطن الذين يستفيدون من أخطائها وتعثرها دائمًا.



