بـ"إهانة آيباك" ودعم حظر السلاح على إسرائيل.. “ممداني” جديد ينضم للكونجرس
بمنهج سياسي حاد ضد إسرائيل، ودعوات متكررة للمتنافسين للاعتراف بأنها ترتكب "إبادة جماعية"، تمكن كريس راب من الفوز في الانتخابات التمهيدية (البرايمريز) في فيلادلفيا، ليضمن بذلك مقعده في الكونجرس الأمريكي.
يعد راب، المعروف بتوجهاته المناهضة للمؤسسة السياسية التقليدية، أكد على خطه هذا في خطاب النصر ليعيد إلى الأذهان صعود تيارات مماثلة مثل تيار ممداني، هذا الفوز يعكس بوضوح مدى تصاعد حدة الخطاب السياسي حول إسرائيل في الولايات المتحدة، وتأثيره الممتد داخل الحزبين الكبيرين.
صداع جديد لإسرائيل في واشنطن
وكشفت صحيفة “يديعوت أحرونوت”، أنه في الوقت الذي كان يحتفل فيه دونالد ترامب ولجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC) بهزيمة عضو الكونجرس الجمهوري توماس ماسي في ولاية كنتاكي، كان هناك "صداع جديد" يتشكل لإسرائيل على بُعد نحو ألف كيلومتر.
حقق كريس راب فوزًا حاسمًا في الانتخابات التمهيدية بفيلادلفيا، مستندًا إلى برنامج انتخابي يحمل انتقادات لاذعة لإسرائيل، ليرسخ مكانته كالحلقة الأحدث والأكثر هجومية داخل مجموعة النواب التقدميين المعروفة باسم "السكواد" (The Squad)، في طريقه نحو كسب نفوذ مباشر داخل مجلس النواب.
وحسم راب، عضو مجلس النواب المحلي عن ولاية بنسيلفانيا والمحسوب على التيار التقدمي، الانتخابات المبدئية للحزب الديمقراطي في الدائرة الانتخابية الثالثة.

ونظرًا لعدم وجود مرشح جمهوري منافس في هذه الدائرة، فقد ضمن راب عمليًا مقعده في الكونجرس خلال الانتخابات العامة المقررة في نوفمبر المقبل.
ويأتي صعوده ليشكل إضافة نوعية لمجموعة المشرعين اليساريين (السكواد)، خاصة بعد فشل محاولات سابقة للحزب لتقديم مرشحين مماثلين في ولايات أخرى مثل كارولاينا الشمالية وإلينوي.
حظر أسلحة ومقاطعة اقتصادية
جعل راب من مناهضة السياسات الإسرائيلية ومعارضة نفوذ لوبي "آيباك" محورًا أساسيًا في حملته الانتخابية، ومن المتوقع أن يجعله برنامجه السياسي أحد حدّ المشرعين انتقادًا لإسرائيل داخل أروقة الكونجرس؛ إذ يعلن صراحة تأييده لفرض حظر كامل على بيع الأسلحة لإسرائيل، ويطالب ولاية بنسيلفانيا بسحب استثماراتها المالية منها.
كما تميز بكونه المسؤول المنتخب الوحيد الذي شارك في فعاليات احتجاجية شعبية بفيلادلفيا شملت "محاكاة لمحاكمة علنية" تتهم إسرائيل بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية في غزة.
وفي تدوينة له عبر الحسابات الرسمية للحملة، كتب راب:"النكبة لم تنتهِ قط. إن الإبادة الجماعية في غزة والمحو المروع للمجتمعات في فلسطين ولبنان يجب أن يتوقفا".
وأضاف أنه في حال دخوله الكونغرس، سينضم إلى النائبتين رشيدة طليب وإلهان عمر في طرح مشروع قرار يعترف رسميًا بالنكبة ويؤكد مجددًا على حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
معارك سياسية وإرث عائلي
ترافقت حملة راب مع بعض الجدل الإعلامي؛ حيث نظّم مؤتمرًا انتخابيًا مشتركًا في فيلادلفيا مع حسن بيكر، وهو صانع محتوى سياسي محسوب على اليسار الراديكالي ويواجه اتهامات بمعاداة السامية. كما واجهت حساباته اعتذارًا وتوضيحًا بعد نشر منشور سابق يتعلق بحادثة إطلاق نار في أستراليا، نأى راب بنفسه عنه لاحقًا وألقى باللوم على موظف سابق في الفريق.
يبلغ راب من العمر 56 عامًا، ونشأ في شيكاغو لعائلة لها تاريخ طويل في حركة الحقوق المدنية، فجد جده كان عبدًا محررًا أسس واحدة من أوائل الصحف المملوكة للأمريكيين من أصل أفريقي (The Baltimore Afro-American). وفي الوقت نفسه، يمتد نسبه أيضًا إلى فيليب ليفينجستون، أحد الآباء المؤسسين للولايات المتحدة والذي كان يملك عبيدًا.
بدأ راب مسيرته النضالية منذ دراسته الجامعية في جامعة ييل، حيث قاد حملة لإزالة صور تجسد العبودية من الحرم الجامعي، قبل أن يكمل دراساته العليا في جامعة بنسيلفانيا (UPenn).
وعمل في الأكاديمية والتأليف قبل دخوله المعترك السياسي، حيث شغل مقعدًا في برلمان ولاية بنسيلفانيا لخمس فترات متتالية، عرف خلالها بمواقفه الصدامية مع الحرس القديم للحزب الديمقراطي، بما في ذلك خلافات علنية مع الحاكم حول ملفات مثل الهجرة.
هزيمة تيار الوسط والمؤسسة التقليدية
عكست الانتخابات التمهيدية في فيلادلفيا صراعًا أيديولوجيًا عميقًا داخل الحزب الديمقراطي، شكل اختبار قوة حقيقي بين التيار التقدمي والمؤسسة التقليدية. ونجح راب في إلحاق الهزيمة بعُضو مجلس شيوخ الولاية شريف ستريت، السليل لعائلة سياسية بارزة ونجل رئيس بلدية فيلادلفيا السابق.
ستريت، الذي كان يطمح لأن يصبح أول عضو كونجرس مسلم عن ولاية بنسيلفانيا، حظي بدعم واسع من المؤسسة التقليدية ومنظمة "جي ستريت" (J Street) الليبرالية.
ورغم انتقادات ستريت لإسرائيل ومطالبته بمحاكمة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلا أنه تبنى مواقف أكثر اعتدالًا مقارنة براب، وحل في المركز الثاني بنسبة تقارب 30% من الأصوات. وجاءت في المركز الثالث الطبيبة ألا ستانفورد بنسبة 24%، والتي رفضت خلال المناظرات استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية"، معتبرة إياه وصفًا مسيئًا.
وحظي راب بدعم قوي من رموز التيار التقدمي البارزين في واشنطن، مثل ألكساندريا أوكاسيو-كورتيز، وإلهان عمر، ورشيدة طليب، ورو خانا، بالإضافة إلى تأييد من منظمة "الصوت اليهودي من أجل السلام" المناهضة للصهيونية، ومنظمة "الديمقراطيين الاشتراكيين في أمريكا" (DSA)، التي قادت مؤخرًا حملة فوز زهران ممداني برئاسة بلدية نيويورك.
"تَبا لـ آيباك" ونهاية العصر التقليدي

في خطاب نصر حماسي ليلة الثلاثاء، هاجم راب النهج السياسي التقليدي قائلًا:"لقد أخبروني أن هذا مستحيل.. لا أعرف من هم 'هم'، لكني أعرف من نحن، أنا أتحدث عن 'نحن الشعب' بمعناها الشامل والقوي اليوم، وليس كما كانت قبل 250 عامًا عندما كانت تعبر عن فئة محدودة جدًا".
وفي مقطع فيديو صوره مع مؤيديه عقب إعلان النتائج، وعندما سُئل عن رسالته الموجهة إلى لجنة "آيباك"، أجاب دون تردد: "تَبًّا لـ آيباك" (Fuck AIPAC).
وأكد راب في المقابلات الصحفية أن فوزه يمثل إشارة واضحة إلى أن عصر السياسة المؤسسية التقليدية يقترب من نهايته، وأن الأصوات التي تحاول وسائل الإعلام تصنيفها كـ "يسار راديكالي" هي في الحقيقة تعبر عن "المركز الأخلاقي" للشارع.
تحولات ديموغرافية تقلق الشارع المؤيد لإسرائيل
تثير هذه التحولات المتسارعة قلقًا بالغًا لدى قيادات الجالية اليهودية والمنظمات المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة، نظراً لأن الاستقطاب بات يعصف بكلا الحزبين الكبيرين.
ففي الحزب الجمهوري، ورغم خسارة توماس ماسي (المعروف بمعارضته للمساعدات الخارجية) في كنتاكي بعد حملة ضخمة شنتها المنظمات المؤيدة لإسرائيل ضده، وجه ماسي انتقاداً لاذعاً لنفوذ التبرعات الخارجية في خطاب خسارته. وفي تكساس، تثير المرشحة الديمقراطية المتصدرة، مورين جاليندو، جدلاً واسعاً إثر تصريحات حادة أطلقتها ضد الصهيونية وممولين يهود.
وحذرت ديبورا ليبستادت، الباحثة البارزة في شؤون الهولوكوست والمبعوثة الأمريكية السابقة لمكافحة معاداة السامية، من هذا المناخ قائلة: "إن هذا يحدث بسرعة البرق، وبشكل لم أشهده من قبل. نحن نرى تحول هذه الخطابات إلى تيار سائد وتطبيعها علنًا".
وتفسر الاستطلاعات الحديثة هذا التحول الجذري؛ حيث أظهر استطلاع رأي أجرته صحيفة "نيويورك تايمز" بالتعاون مع كلية "سيينا" أن ثلث الشباب الجمهوريين فقط يدعمون تقديم مساعدات عسكرية واقتصادية إضافية لإسرائيل، بينما يرى 56% من الشباب الديمقراطيين أن حزبهم يبالغ في دعم إسرائيل.
هذه التغيرات بدأت تدفع بعض القيادات لاتخاذ مواقف راديكالية؛ إذ أعلن قاضي المحكمة العليا في بنسيلفانيا، ديفيد وشت، مؤخرًا مغادرته للحزب الديمقراطي احتجاجًا على ما وصفه بـ "التسامح المتزايد مع خطاب الكراهية داخل الحزب".
وفي سياق متصل، علق عضو الكونجرس الديمقراطي البارز جاريد موسكوفيتش قائلًا: "لم نفعل ما يكفي عندما بدأت هذه الظاهرة تتشكل داخل حزبنا، والآن بدأت تتفشى وتتضخم، وسيكون من الصعب جدًا مواجهتها مستقبلاً".



